كمال الجزولي يكتب.. الإِسْلامَويُّونَ وَثَقَافَةُ الدِّيمُوقْرَاطِيَّة!

كمال الجزولي

منذ منتصف أربعينات القرن المنصرم، والنُّخبة الطبقيَّة الحاكمة في البلاد تطلق على حركتها السِّياسيَّة اسم “الحركة الإسلاميَّة”، مُعَرَّفة، هكذا، بـ “الألف واللام”! والمعنى أنها “وحدها” على صحيح “الدِّين” في ما يتَّصل بالسِّياسة والحكم، وما عداها باطل، بل ليس نادراً ما ترميه بـ “الكفر” البواح!.

ومن بواعث ورم الأنوف لدى عناصر هذه النُّخبة وصفهم بـ “الاسلامويِّين”، و”الواو”، هنا، ليست زائدة، بل لتكافئ زعمهم الانتساب إلى “الإسلام” بالمطلق! ومع دقة هذه الصِّيغة في الميزان المعرفي، وتنزيهها “الدِّين” نفسه، كونه كلمة الله في مطلق عليائه، بينما الانتساب إليه هو “التَّديُّن” الذي أقصاه نسبيٌّ لا يتجاوز اجتهاد العبد في اكتساب مرضاة ربِّه ما وسعته بشريَّته على قصورها، إلا أن عناصر هذه النخبة لا يقبلون بأن يوصفوا بأقلِّ من كلِّ “التَّماهي” مع كلمة الحقِّ التامَّة، والتَّطابق “المتناهي” مع القيمة “الدينيَّة” المطلقة، والصَّواب “الدِّيني” الكامل، فهم وحدهم، في شرعة أنفسهم، “الاسلاميُّون”، بدلالة “الفرقة النَّاجية” حتماً، لا محض “إسلامويِّين” ما تنفكُّ بشريَّتهم تصيب مرَّة، وتخطئ مرَّات!.


المفارقة الصارخة، هنا، تتجلى في اصطدام هذا الزَّعم بغلبة الطابع “التَّعدُّدي” على “الصَّفِّ” نفسه الذي يُدَّعى “التَّوحُّد” إزاء مفهوم “التديُّن بالسِّياسة” وفق مصطلح التُّرابي! يجري هذا على “جماعتهم” التي يصفونها بـ “الاسلاميَّة”، مثلما على “جماعات” أخرى كثيرة تصف نفسها، أيضاً، بـهذه الصِّفة، زاعمة امتلاك الحقيقة “الدِّينيَّة” الكاملة!.
لقد كان من الممكن أن يبدو هذا “التَّعدُّد” منطقيَّاً تماماً، لولا شحَّ النفس، والتكالب على الدُّنيا باسم “الدِّين”، وذلك بالنظر الى “تعدُّد” الفهوم المفضي إلى “التَّدافع” الذي هو، في الإسلام نفسه، بعض “سُنن” الكون في الطبيعة والاجتماع “ولن تجد لسُنَّة الله تبديلا” (62 ؛ الأحزاب)، “ولو شاء ربُّك لَجعل الناس أمَّة واحدة ولا يزالُون مختلفين” (118 ؛ هود). وفي تفسير ابن كثير: “لا يزال الخُلف بين النَّاس فى أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم”. فقد اختلف الخوارج مع علىٍّ حول التحكيم يوم “صِفين”. واختلف المسلمون، قبل ذلك، حول اختيار الخليفة الأوَّل يوم “السَّقيفة”، فانقسموا إلى “أنصار” و”مهاجرين”. وانقسم الأنصار إلى “أوس” و”خزرج”. ثمَّ انقسم المهاجرون، بدورهم، إلى “مبايعين” لأبي بكر و”مغاضبين” من بني هاشم لزموا مع الكرَّار بيته لا يبايعون، كونهم كانوا يرون معه أن له حقاً في الأمر. ووقع الخلاف، لاحقاً، بين علىٍّ وعائشة، فوصفته الأخيرة بأنه “ما يكون بين المرأة وأحمائها”. ثمَّ وقع الخلاف بين عليٍّ ومعاوية، وقبل ذلك بين عثمان الذي أقسم: “والله لا أخـلع قميصـاً قمَّصَـنيه الله”، وبين بعـض الصَّحابة والجُّمهور، مِمَّا أفضى إلى قتله. وتعدَّدت المذاهب الفقهيَّة، وتنوَّعت الاتِّجاهات العامَّة للفِرَق، كالسَّلفيَّة، والصُّوفيَّة، والمعتزلة، والمحافظة، والعصرانيَّة، وهلمَّجرَّا. ثمَّ وقع الانقسام التَّاريخي بين السُنَّة والشِّيعة. وعموماً يكاد الصِّراع على السُّلطة يسِمُ مجمل تاريخ الدَّولة الإسلاميَّة، خصوصاً منذ انقلاب الخلافة الرَّاشدة إلى ملك عضود مع الأمويِّين. وفي قول الشَّهرستاني أن سيوف المسلمين ما سُلت، قط، حول شئ كما سُـلت حـول السـُّلطة!.

وفي التَّاريخ الحديث توزَّع الاسلامويُّون بين جماعات متناحرة إلى حدِّ الدَّم، تدَّعي كلٌّ أنها وحدها “الناجية”! وفى السُّودان أفضت خلافاتهم إلى انقسام أوعيتهـم التَّنظيمـيَّة بين “جماعـة الأخـوان/ جناح الصَّـادق عبد الله”، و”جماعة الأخوان/ جناح أبو نارو”، و”جبهة الميثاق”، و”الحركة الإسلاميَّة”، و”الجَّبهة الإسلاميَّة القوميَّة” بقيادة الترابي، وبين “الحزب الجُّمهوري”، و”حزب التَّحرير”، و”الحزب الاشتراكي الإسلامي”، و”جماعة أنصار السُّنَّة” بجناحيها “الهديَّة وأبو زيد”، و”جماعة الدَّعوة والإرشاد”، و”المؤتمر الوطني”، و”المؤتمر الشَّعبي”، و”السَّلفيِّين”، و”هيئات علماء السُّودان”، و”جماعات التَّكفير والهجرة” المتشرذمة العصيَّة على الحصر .. الخ. وتلك ليست محض انقسامات تنظيميَّة، بقدر ما هي انعكاس موضوعي لاختلاف زوايا نظر الحركيين الاسلامويِّين “المتعدِّدة” إلى الإسلام “الواحد”، وإلى جُلِّ القضايا الدُّنيويَّة الجَّوهريَّة التي ما تنفكُّ تطرح نفسها على كلِّ من يتصدَّى لمهام سياسيَّة. فتباينت رؤاهم وتعدَّدت بشأن قضايا الاقتصاد، والتَّشريع، والمرأة، والدُّستور، والتَّصوير، والنَّحت، والغناء، والموسيقى، والرَّقص، وضرب الدفوف والمعازف، والحجاب، والنِّقاب، والتَّنوُّع، والمواطنة، والحريَّات، والدِّيموقراطيَّة، والتَّعدديَّة، وتطبيق الشَّريعة، والمناهج التَّعليميَّة، والانقلابات العسكريَّة، والأحزاب السِّياسيَّة، والعلاقات الخارجيَّة، وشكل الحكم، وحقوق الإنسان، واستقلال القضاء، والتَّعليم المختلط، والحرب والسَّلام، وعلاقة الدِّين بالدَّولة، ومعاملة غير المسلمين، وما إلى ذلك. ومع أن هذه “التَّعدديَّة” سُنَّة ثابتة، إلا أن مشكلة الاسلامويِّين ترتبط بعدم اعترافهم بها، رغم أنها ما تنفكُّ تفعل فعلها في حركاتهم نفسها، فتأمل!.

ومع تزايد أسئلة الواقع المتناسلة، أضحت مقاربة “التعدُّد” المفضي لتحمُّل “الرأي الآخر” احتياجاً ملحَّاً بالنِّسبة لهذه الحركات في ما بينها، دَعْ موقفها من “غيريَّة الآخر”. فـ “التعدُّد” حقيقة موضوعيَّة قائمة، إعترفنا به أم لم نعترف، وهو مفهوم وثيق الصِّلة بمفهوم “التَّدافع” القرآني عند المسـلمين “ولولا دفع الله الناس بعضهـم ببعـض لفسـدت الأرض ولكــن الله ذو فضـل عـلى العالمــين” (251 ؛ البقرة)، بل ولولا “التَّعدُّد”، أصلاً، لما أمكن تصوُّر هذا “التَّدافع” عقلاً! على أن من فساد الرَّأي، يقيناً، تصوُّر أن هذا “التَّدافع” لا يكون إلا حرباً يشنُّها الجَّميع ضدَّ الجَّميع! ولئن كان الفكر السِّياسي الغربي قد عالج موضوعتي “التَّعدُّد” و”التَّدافع” ضمن موضوعة “الدِّيموقراطيَّة”، فالكثيرون، حتَّى بين المفكرين الاسلامويِّين المعاصرين، يُبدون تقديراً طليقاً لهذا الضَّرب الوضعي من المعالجات على قاعدة الحديثين الشَّريفين: “الحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ النَّاس بها”، و”ما أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه، أما ما كان من أمـر دنياكم فأنتـم أدرى بـه”. هكـذا يشـدِّد محمــد الغـزالي عـلى أن “.. التَّفتُّح العقلي ضرورة ملحَّة .. فماذا يمنع الفقيه المسلم من قبول كلِّ وسيلة أصيلة أو مستوردة لتحقيق الغايات التي قرَّرها دينه؟! إن النَّقل والاقتباس في شؤون الدُّنيا، وفي المصالح المرسلة، وفي الوسائل الحسنة، ليس مباحاً فقط، بل قد يرتفع الآن إلى مستوى الواجب” (دستور الوحدة الثَّقافيَّة بين المسلمين، ص 182). وعلى خامنئي، مرشد الجُّمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة، يحرص على الحضِّ على الانتخابات الديموقراطيَّة “كواجب ديني” (قنوات ووكالات، 8 يناير 2000م). وفي هذا يعود الغزالي ليقول: “.. شعرت بجزع عندما رأيت بعض الناس يصف (الدِّيموقراطيَّة) بالكفر، فلمَّا بحثت عمَّا عنده لكفالة الجَّماهير، وكبح الاستبداد، وجدت عبارات رجراجة يمكن القاؤها من منبر للوعظ” (دستور الوحدة .. ، ص 186). والصَّادق المهدي يؤكِّد أن “الإسلام يوافقها (أي الدِّيموقراطيَّة) في خاماتها المبدئيَّة، ولكنه لا يفصِّل نظاماً ديموقراطيَّاً محدَّداً، ويترك ذلك لظروف الزَّمان والمكان” (أحاديث الغربة، ص 38). وعبد الله النَّعيم، أحد أنجب تلاميذ محمود محمد طه، يرى “.. أن الحاجة لتحمُّل تعدُّد الرَّأى بين المسلمين أنفسهم تجعل الليبراليَّة الإسلاميَّة مهمَّة بالنِّسبة للحيويَّة الدِّينيَّة للإسلام نفسه، بالإضافة إلى التَّطوُّر السِّياسي أو الاجتماعي .. أي أن المنطق الدِّينى للتَّحمُّل سوف يؤدي إلى تقدير أفضل للتَّعدُّديَّة كواقع حياة” (ضمن: الدِّيموقراطيَّة في السُّودان، حيدر إبراهيم “ت”، مركز الدِّراسات السُّودانيَّة، القاهرة 1993م، ص 242). بل لم يعُد من النَّادر أن نقع على ذات المعنى في انتباهات حتَّى بعض الرُّموز المنشقَّة عن النُّخبة الحاكمة نفسها، حيث يؤكد عبد الوهاب الأفندي، مثلاً، أن “الدِّيموقراطيَّة الحديثة .. نقلة نوعيَّة في ابتداع الوسائل العمليَّة لتحقيق الأهداف التي ظلت المجتمعات الإنسانيَّة تسعى لتحقيقها .. لكن .. الحركات (الإسلامويَّة) لم تطوِّر فكرها لاستيعاب هذا التحوُّل، و.. (قادتها) .. يتبعون سنة بعض الخلفاء الذين .. يقرِّرون نيابة عن الله تعالى، وليس نيابة عن .. الشَّعب .. حتى يفاجأوا بثورة عارمة .. فالاستبداد .. لا يختلف في نتائجه، لكون المستبد يدَّعي أنه مفوَّض من السَّماء .. وإذا لم تنجح الحركات الإسلاميَّة في حسم هذه المسألة، فإنها .. قد تصبح .. وبالاً على الإسلام” (الوفاق، 18 يناير 2000م).

من ملامح هذا “الوبال” الذي حذَّر منه الأفندي ما شهده العقدان الأخيران، بصفة خاصَّة، من انتهاج الكثير من هذه الحركات “الإسلامويَّة” نهج التَّطرُّف المفضي إلى الإرهاب! هذه المسألة تتوزَّع على وجهين: الوجه الذي يشغل الشُّرطة، وهو ما ينحصر في “يوميَّة التَّحري”! والوجه الذي يشكِّل أسئلة الحراكات الفكريَّة والثقافيَّة والسِّياسيَّة، حيث يتوجَّب تعقُّب جذور الضَّلالات التي تقود إلى هذا المآل. وقد لا نحتاج لأن نذهب بعيداً، فأدناها إلينا سنوات “الانقاذ” التي شهدت صعود وانكسار مشروع النُّخبة “الإسلامويَّة” الحاكمة تحت عنوان “المشروع الحضارى”؛ وهو النَّموذج الذي أضحى يدقُّ ناقوس خطره كثيرون في المنطقة، ربَّما ليس آخرهم الصحفي والمحلل السِّياسي السِّنغالي محمد صالح سيدو عثمان تال، الملقَّب بعثمان تالو، والذي كتب يحذِّر “.. من غفلة يداهمنا فيها نموذج السُّودان ونحن نيام”! وذلك ضمن سلسلة مقالات بعنوان: “عندما يصطف ثالوث الكاهن والصُّعلوك ونصف المثقَّف في قمقم السُّلطة”!.

وليس أبلغ في إيجاز هذا المشروع المخيف من قول أحد أبرز قادته آنذاك، وكان تولى وزارة الثَّقافة والإعلام: “عندما أسمع كلمة تعدُّديَّة أو حزبيَّة فإننى أتقزَّز، وأشعر بقشعريرة، وأتحسَّس جنبتي بحثاً عن حجر أرميها به!” (العميد طبيب الطيب ابراهيم؛ أخبار اليوم، 5 أبريل 1998م). وذاك نموذج حىٌّ لاشتغال العقل “الإنقاذي” الباطن، حيث استبطن ذلك الوزير، ولا بُدَّ، الإعجاب بقول سئ الذكر غوبلز، وزير هتلر وساعده الأيمن: “كلما سمعت كلمة (ثَّقافة) تحسَّست مسدسي”!.

أصل الخلل ناشب، إذن، في أصل “المشروع” الذي انطلق، ابتداءً، من فوهات بنادق “إسلامويِّي الانقاذ”، ومحاربته لا تكون إلا بإطلاق طاقات المجتمع الحيَّة كافة صوب التحوُّل الدِّيموقراطي الحقيقي.. لا الشَّكلاني!.
***
نقلا عن الميدان

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Loading...