وردي الثورة والوطن .. في حضرة الذكرى

68

الخرطوم – رؤى الأنصاري

18 فبراير 2012، يوم من أيام التاريخ غير قابل للنسيان، ولا تستطيع الذاكرة السودانية مجتمعة إسقاطه، فبمجرد ذكره، تمتلئ ذات الذاكرة بعبق التاريخ، وتوهج المشهد، وتجسيد ملاحم الثورة والنضال. يوم ارتبط برحيل شخصية سودانية هي الأكثر تأثيراً في ذائقة وفكر وثقافة المجتمع السوداني، وقد ترك رحيلها فراغاً عريضاً لا يملؤه سواها، تشكل عليها وجدان الأمة بعميق المفردة، وجمال الفكرة، وثورة الوجدان، فنان السودان وأفريقيا الأول، محمد وردي.

وهي ذكرى احتفت بها كل الأوساط الثقافية، والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، تناولوها متصلة بمآل حال البلاد، وما تواجهه من تحديات وصعوبات، دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل.

يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي محمد الأسباط، لـ (الجماهير): “في 18/فبراير/ 2012 انطفأت شمس عزيزة من شموس بلادنا الساطعات، بعد أكثر من (50) عاماً من الشدو بجميل الأغنيات وبديع الأناشيد الملهبات، وأعذب الألحان الشجيات. غيب الموت فنان أفريقيا، وإمبراطور الطرب السوداني الرفيع، الموسيقار محمد وردي. وبرحيله فقد السودان أحد أبرع مبدعيه في حقل الموسيقى والغناء والتنوير، ولم يبقَ سوى النيل وحيداً يكابد أحزانه ووجعه الدفين”.

محمد الأسباط كاتب ومحلل سياسي

يضيف الأسباط: “كان وردي على مدى ستة عقود من الزمان يمنح السودانيين بعض أعذب أغنياتهم، ورفع خلال مسيرته المديدة سقف الأغنيات الروائع، الكاملة المثالية من حيث الكلمات والألحان والأداء، فسكنت أغنياته أفئدة السودانيين، وأضحت موسيقاه علامة من علامات البلاد، وكان رائداً في مجال الأغنيات والأناشيد الوطنية ببلادنا وضع بصمة بالغة الخصوصية والتميز والفرادة”.

ويردف: “ملأ وردي مكانه الرفيع عندما صاغ ألحاناً فريدة لقصائد بعض أبرز شعراء بلادنا ولوَنها بصوته البديع الموشى بالحنين وبالشجن، فصارت علامات فارقات في مسيرة الأغنية السودانية المعاصرة، وغدت مع وردي كلمات محجوب شريف وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم والدوش والتيجاني سعيد وإسماعيل حسن وإسحاق الحلنقي وأبوقطاطي وغيرهم ممن تغنى وردي بكلماتهم، غدت علامات فارقات في دوحة الأغنية السودانية”.

يقول الأسباط إن وردي يعتبر أيقونة الأغنية الأفريقية، خاصة في إثيوبيا، ورفيقاً للثائرين، يلهمهم أسباب التدافع، ويشعل فيهم جذوات الحماسة، ويغني لنصرهم عند ذهاب الاستبداد وبزوغ شموس صباحات الحرية، وكان نصيراً للمحرومين بمواقفه السياسية والنضالية التي دفع ثمنها غالياً في غياهب السجون وعذابات المنافي.

ومن جهته، يقول الزبير سعيد، الكاتب الصحفي والناقد: “المتأمل في تجربة الفنان الموسيقار محمد وردي؛ يكتشف أن الوطن ظل حاضراً في ذاكرة ووجدان هذا الفنان العملاق، الذي تزامن ميلاده بمنطقة صواردة مع رحيل الفنان والشاعر الوطني الكبير خليل فرح”.

يضيف: “لقد ظل الموسيقار وردي هو لسان حال الشعب السوداني في جميع الثورات الشعبية التي شهدها الوطن منذ أكتوبر 64 مروراً بأبريل 85، ولا شك أن وردي كان أحد أبرز الذين بشروا بثورة ديسمبر المجيدة، والتي حدثت بعد رحيله بأكثر من 7 سنوات، لكنه كان حاضراً من خلال أغنياته الوطنية التي يفوق عمرها أعمار معظم الشباب الذين فجروا ثورة ديسمبر، ونجحوا في إسقاط نظام المخلوع عمر البشير”.

وردي

وختم سعيد حديثه بالقول: “تعتبر أغنيات وردي الوطنية والعاطفية ميثاق توافق وطني واجتماعي وثقافي بين مختلف مكونات المجتمع السوداني، الذي يمكن أن يختلف على كل شيء إلا حبه وتقديره للموسيقار محمد وردي عليه رحمة الله. وهكذا، سيظل الموسيقار وردي خالداً في ذاكرة ووجدان الشعب السوداني على مر التاريخ، ويجب أن نحفظ له بكل الوفاء دوره العظيم في التعريف بالسودان وشعبه لكل شعوب القارة الأفريقية، والذي استحق أن ينال لقب فنانها الأول بكل جدارة واستحقاق”.

تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: