نزاع  التيغراي الإثيوبي .. السودان يدفع فواتير متعددة

0 99

تقرير: عماد النظيف

يفتح  توافد اللاجئين الإثيوبيين بكثافة إلى السودان أبواب أزمة اقتصادية جديدة في بلد يعاني بالفعل من أزمات، نتيجة تغيرات سياسية شهدتها البلاد خلال الأعوام الماضية، في ظل عدم إيفاء المجتمع الدولي بما يليه إزاء هؤلاء الإثيوبيين.

ويعاني السودان من عدم توفر السلع الاستهلاكية  في الأسواق وإن وجدت فهي بأسعار مرتفعة، بجانب صفوف طويلة للخبز والوقود طال أمدها في جميع ولايات السودان، كما أن النظام الصحي في البلد هو الآخر يشهد انهياراً مريعاً بحسب السلطات الصحية، بالإضافة إلى جائحة كورونا في موجتها الثانية  والتي حصدت أرواح ما يزيد عن الألف  من السودانيين. إزاء كل تلك الأزمات  تظل الحكومة الانتقالية عاجزة عن مواجهتها، بينما لا تزال تدفقات اللاجئين الإثيوبيين تتوالى إلى داخل الحدود السودانية الشرقية، فراراً من الحرب الدائرة في إقليم التيغراي المجاور، ما رشح السودان لمقابلة آثار وتداعيات حرب لم يكن يتوقعها.

إحصائية رسمية

في أحدث إحصائية رسمية، أعلنت مفوضية اللاجئين والمندوب السامي للاجئين، عن إغلاق معسكر أم راكوبة لاستقبال الإثيوبيين بمحلية القلابات الشرقية في ولاية القضارف، بعد أن استوعب نحو 25 ألف لاجئ إثيوبي فروا بسبب القتال في إقليم التيغراي بين جبهة التحرير هناك والقوات الفيدرالية الإثيوبية، وبدأت بالفعل عمليات ترحيل اللاجئين إلى معسكر الطنيدبة بمحلية المفازة، الذي يتوقع أن يستقبل 30 ألف لاجئ.

وبحسب الإحصاءات الصادرة عن غرفة طوارئ إسكان اللاجئين فإن أعداد اللاجئين قفزت حتى الخميس الماضي، إلى 63.212 لاجئ منهم 38.984 لاجئ لم يتم ترحيلهم إلى معسكرات دائمة.

بداية التدفقات

في نوفمبر الماضي وصلت أوّل موجة من الفارين من النزاع الإثيوبي إلى السودان. ومنذ 15 نوفمبر، سجّلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 42 ألف وافداً، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن يدخل الواصلون من إثيوبيا إلى السودان عبر ثلاثة مواقع.

يقع المدخل الأساسي في حمدايت في ولاية كسلا شرق السودان، ويدخل منه ثلثا الواصلين (68 في المئة). ونحو ثلث الوافدين (30 في المئة) يدخل من ولاية القضارف في الجنوب الشرقي. بينما يدخل عدد قليل جداً (2 في المئة) إلى السودان من منطقة جنوبية أبعد في ولاية النيل الأزرق.بجانب آلية أخرى تتمثل في تمدد نشاط عصابات التهريب من الحدود إلى المدن أو التسلل إلى العواصم، خاصة إن للاثيوبيين وتحديداً من التيغراي وجود قديم ومستقر بالسودان.

تمدد التهريب

يقول الكاتب الصحفي السوداني  المختص في الشأن الإثيوبي  محمد حامد جمعة، إن  التأثيرات حتى الآن محصورة في الجانب الإنساني، ونظراً إلى أن أغلبية اللاجئين من إقليم التيغراي، وبالنظر على أن طرف القوات الإقليمية حتى الآن هو الخاسر ومع رجحان استمرار الأمر وتحوله لحرب عصابات، فالمؤكد أن الأعداد ستتضاعف وهذا سيوسع درجة الأثر سواء على قدرة معسكرات الإيواء على الاستيعاب مع إشكالية أخرى تتمثل في تمدد نشاط عصابات التهريب من الحدود إلى المدن أو التسلل إلى   العواصم خاصة أن  الإثيوبيين وتحديداً من تقراي  لهم وجود قديم مستقر بالسودان.

خطر حقيقي

 في 4 نوفمبر، أصدر رئيس وزراء إثيوبيا قراراً بإطلاق عملية عسكرية ضد جبهة تحرير التيغراي في الإقليم الواقع شمال إثيوبيا، وذلك بعد تعرّض قاعدة عسكرية للهجوم. وبدأ النزاع المتصاعد بالتأثير على مئات الآلاف من السكان، وها هو يشكّل خطراً حقيقياً على استقرار أجزاء أخرى من البلاد والمنطقة، كما أنّه قد يولّد عواقب إنسانية كارثية.

مخاوف أممية

وتشير أحدث التقارير إلى توقف عبور اللاجئين الإثيوبيين إلى داخل الحدود السودانية لأول مرة منذ اندلاع الحرب، بسبب منع الجيش الإثيوبي الفارين من عبور الحدود، وهو ما نفته السفارة الإثيوبية بالخرطوم.

وتنتشر القوات الإثيوبة، وفقاً لوكالة رويترز للأنباء، على طول حدود إقليم التيغراي مع السودان، حيث تقوم بمنع السكان المحليين الفارين من مغادرة البلاد. وهو ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في عدد الأشخاص الذين يعبرون الحدود إلى السودان خلال الأيام الماضية.

وأعرب أمين عام الأمم المتحدة عن قلقه البالغ بشأن عواقب الصراع الإثيوبي على السكان المدنيين، وفي ظل انتشار خطاب الكراهية، وتقارير عن التنميط العرقي، فضلاً عن الظروف الصعبة التي يعيشها اللاجئون في السودان .

خلايا استخباراتية

وأشارت تقارير سودانية نقلاً عن مصادر قولها إن الجانب السوداني رصد عدداً من الخلايا الاستخباراتية الإثيوبية داخل الأراضي السودانية تقوم بمد الجيش الإثيوبي بمعلومات حساسة.

وكان الخبير الأمني  السوداني د. طارق محمد عمر، قال لـ(الجماهير) إن تدفق اللاجئين إلى الأراضي السودانية سيلقي بعبء جديد على كاهل الأنساق الأمنية السودانية، وسيكون عرضة للأستقطاب والتجنيد من قبل أجهز أمن الدول الأخرى للعمل ضد بلاده أو بلدان أخرى قد يعاد فيه توطنيه وسنجد بعضهم للتجسس على البعض الآخر، خاصة القوميات  الأخرى.

استجابة ضعيفة

ومنذ بداية الأزمة، كانت استجابة المنظمات غير الحكومية ومنظمات الإغاثة الدولية ضعيفة، وهذا لن يساعد السودان في تقديم خدمات أساسية للاجئين، وهذا ما أكده والي  القضارف  سليمان علي، في أكثر من مناسبة أن عدد اللاجئين أكبر من قدرات الولاية على استقبالهم، مضيفاً أن أيَّة زيادة في الأعداد ستؤدي إلى ضغط إضافي ليس على الولاية فحسب، بل على السودان ككل.

تأمين الحدود

في السياق عقد السودان  وإثيوبيا اجتماعاً عسكرياً الأيام الماضية لبحث ملفات الأمن وتأمين الحدود  واجتمعت اللجنة الأمنية الإثيوبية السودانية المكونة من الكتيبة (22) للجيش الإثيوبي والشرطة الفيدرالية مع نظرائهم من الكتيبة 13 من قوات الجيش السوداني،

البرهان ابي
رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان البرهان و رئيس الوزراء الاثيوبي ابي أحمد – ارشيف

وتستهدف الاجتماعات مناقشة الوضع الأمني بالقرب من الحدود بين البلدين وناقشت الاجتماعات الوضع الأمني على الحدود.

وقال بيان للجيش الإثيوبي، تحصلت عليه  “الجماهير” إن الاجتماع تنسيق عسكري  بين البلدين لمنع مقاتلي التقراي من عبور الحدود .

ويأتي  ذلك في وقت استرد الجيش السوداني مساحات زراعية كانت تسيطر عليها مليشيات إثيوبية في منطقة الفشقة الكبرى والصغرى على الشريط الحدودي مع إثيوببا، ووضعت الميليشيات المسنودة من الجيش الإثيوبي يدها على المساحات الخصبة بالمنطقة خلال العقدين الماضيين ، إثر انحساب الجيش السوداني منها .

هجرة قسرية

في سياق مواز، قال الخبير الاقتصادي  د. محمد زين أحمد  لـ(الجماهير) إنه وبحسب ميثاق الأمم المتحدة عند حدوث كوارث طبيعية أو نشوب حروب في دولة ما وفرار مواطنيها إلى دولة مجاورة أو دولة أخرى فعلى  الدولة أن تلزم باستضافة هؤلاء وعدهم لاجئين (هجرة قسرية) وفي الغالب يتم حصرهم في معسكرات معزولة حتى لا يفروا إلى المدن والقرى ويحدثون ضعطاً على الخدمات والأسواق. ولابد للسودان أن يقدم معونات إنسانية حكومية أو غير حكومية (تطوعية) في شكل مواد غذائية (سلع استهلاكية ضرورية) وخدمات صحية (أطباء وأدوية) ومياه وكهرباء ومساكن وسراير وغيرها من المعونات. وبالطبع هنالك تكاليف مادية ومالية تقع على عاتق السودان بالرغم من المساعدات الإنسانية التي تقدمها منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الطوعية المختلفة وبعضها لديه أجندة خفية.

ارهاق الميزانية

ويضيف د. زين موضحاً سواء أن تم حصر اللاجئين الاثيوبيين في معسكرات أو تسربت أعداد منهم إلى داخل المدن والقرى السودانية (والأخيرة أسوأ) فهذا يشكل عبئاً وضغطاً على الحكومة السودانية والمواطن السوداني، فسوف تذهب ميزانيات خصماً على ميزانية الدولة والتي أصلا تعاني من عجز متراكم، بالتالي فاي صرف  ونفقات  مالية أو مادية على معسكرات المهاجرين الإثيوبيين سوف يرهق ميزانية السودان، كان من الممكن إنفاقها وصرفها على بنود خدمات أو دعم للفقراء.

سيناريوهات

وتوقع الخبير الاقتصادي ثلاثة سيناريوهات: السيناريو الأول:  بافتراض أن الحرب الدائرة في إثيوبيا وفي إقليم التيغراي تؤدي إلى تدفق المزيد من المهاجرين الإثيوبيين إلى داخل الأراضي السودانية، وهذا يزيد العبء  على حكومة وشعب السودان بتحمل نفقات مالية ومادية إضافة للضغط على الخدمات الصحية وامدادات المياه والكهرباء، وأما السيناريو الثاني: أن تتدخل جهات وتجر السودان إلى حرب ضد  إثيوبيا فيزداد الوضع أكثر سوء، والسيناريو الثالث (البعيد المدى): حدوث انفصال شرق السودان كما انفصل جنوب السودان بالتالي تتكون دولة ثالثة تتوسط ما بين السودان ودولتي أثيوبيا وإرتريا، وقد تتشكل تركيبات سكانية من الثلاث دول بخصائص ديموغرافية متدنية وربما يحدث صراع اثنيات وجهويات يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لكل الأطراف.

حالة مأساوية

في الأثناء يواجه اللاجئون الإثيوبيون معاناة كبيرة في الحصول على احتياجاتهم الأساسية، ويشكل كبار السن والنساء والأطفال أغلبية الفارين من إقليم التيغراي، بعد أن اضطروا، تحت نيران القصف، إلى ترك منازلهم وأسرهم ولا يعلمون عنهم إن كانوا أحياء أم أموات حتى الآن .


غير أن الصحفي محم حامد جمعة،  في حديثه لـ(الجماهير) حثَّ  الحكومة بالتعامل بجدية مع إشكاليات الاشتباكات المحتملة لخلافات عرقية بين المكونات الإثيوبية داخل وحول مناطق اللجوء، مع أمر آخر يتمثل في إمكانية تحول أمر بعض الوجود الإثيوبي لمشكلة مع تكرار تلميحات وجود مطلوبين من الإثيوبيين داخل معسكرات اللاجئين.

أزمة إنسانية

بينما  يؤكد الصحفي الإثيوبي أنور إبراهيم، لـ(الجماهير) أن التأثيرات على السودان  ستكون كبيرة ، إذا  استمر  الوضع  بنفس الحالة سيبب  تحرك  الأسلحة في  الحدود، وكذلك أيَّة تطورات،كما هو معروف إن الحركات تدخل السودان  وتتحرك منه لمحاربة  الأنظمة السياسية الإثيوبية خلال العهود السابقة، ربما تكررت هذا المشاهد ، إذا  توقعنا دخول الشباب للمعسكرات في السودان، يمكن أن يكون في متناول الحركات المسلحة  التي تستهد الحكومة من السودان الشيء الذي خلق مشكلات سياسية بين البلدين، في المرحلة القادمة، إذا استمر الوضع هكذا، أيضاً مهربو البشر منتشرون بصورة كبيرة في هذه المناطق، قد يكون لهم دور اً، قد تكون أزمة إنسانية متطورة، بالإضافة إلى ذلك، تجار السلاح قد ينتشروا بصورة كبيرة وخاصة إذا كانت هنالك معارك، إذا لم يتم التشديد على الشريط الحدودي .
ولكن مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية ومقره مصر ـ  د. أماني الطويل تقول لـ(الجماهير)  أن إثيوبيا حالياً  على الصعيد المحلي تواجه منعطفاً خطيراً ومؤثراً في استقرارها  السياسي  وقدرتها على استمرار الصيغة  الفيدرالية الحاكمة للعلاقات بين القوميات الإثيوبية المختلفة، بعد إن اندلاع المواجهات المسلحة واسعة النطاق بين الجيش الإثيوبي وقومية التغيراي، التي أسفرت عن انشقاق الجيش الإثيوبي وانتباه من المجتمع الدولي والنطاق الإقليمي لخطورة الوضع هذه المواجهات وتداعياتها، ليس فحسب على استمرار إثيوبيا كدولة  موحدة، ولكن أيضاً على استقرار جوارها الإقليمي، خصوصاً في إرتيريا والسودان، حيث تتداخل القوميات مع الأولى  والثانية والحدود مع الثانية.

تعليقات
Loading...