ميزان بكفة مائلة

134

Advertisement

الجماهير: مواقع

الدساتير الحالية في كل البلدان العربية والإسلامية تساوي بين الرجل والمرأة دائما في الحقوق والواجبات ومجالات أخرى، فلماذا إذا تعلق الأمر بتقسيم الميراث فرقنا بينهما.

المساواة في الإرث تجعل من المرأة شريكا حقيقيا

 

لم يعد خافيًا أن أوساطًا عديدة في داخل المجتمعات العربية باتت تطالب بإعادة النظر في الكثير من قضايانا المجتمعية بشكل مختلف يتوافق مع مقتضيات العصر، ويدعو هؤلاء إلى فتح باب الاجتهاد الديني الذي أغلق -بفعل فاعل- منذ المئات من السنين، ويقيمون حجتهم على أن النص الديني “حمّال أوجه” ويتميز بالمرونة على عكس ما يشيع المنتفعون.

دعوة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى إجراء مراجعات قانونية تسعى لتحقيق المساواة بين المرأة المسلمة والرجل المسلم تعمّد البعض سحبها وحصرها فقط في الأرضية الدينية مع أنها دعوة مدنية وحقوقية ومجتمعية بالأساس، وقد ألقت دعوته تلك حجرًا ثقيلًا في قلب بِركة الركود المسيطرة على تفكيرنا هذه الأيام، وكما لقيت الدعوة من معارضة حادة، فإنها كذلك لقيت ترحيبًا وتأييدًا من فريق ليس بالهين.

المؤيدون لتحقيق ما دعا إليه الرئيس لديهم ذخيرة من الحجج ينبغي الاستماع إليها ومناقشتها بعيدًا عن التشنج والانفعال، إنهم يقولون إن ما درجنا عليه من رفض ورعب دائميْن كلما دعا الداعي إلى التجديد والحداثة ومجاراة العصر لن تكون نتيجته إلا المزيد من التحجر والتخلف في زمن تتغير فيه بقية المجتمعات في العالم كله بسرعة الريح، فلماذا ننتظر نحن إلى أن يدهسنا قطار التغيير وساعتها لن يبكي علينا أحد؟

الحجة الأهم لدى هؤلاء هي أن دعوة الرئيس لم يكن القصد منها هدم الدين وثوابته كما يتقوّل المتقولون، بل هو فقط دعا إلى فتح باب النقاش المجتمعي سعيًا إلى تحقيق مصالح الناس كما يراها الناس، وذلك على قاعدة “أنتم أدرى بشؤون دنياكم” الشهيرة، فما العيب في المناقشة والحوار وصولًا إلى الأصلح والأنفع؟

المرأة العربية تغيرت أحوالها جذريًا في السنوات القليلة الماضية، وأصبحت صاحبة القرار في كل شؤونها، ولم تعد هذا “الكمّ المُهمَل” الذي ينظر إليه الرجال على أنه مجرد “معمل لتفريخ الصغار”، لقد تعلّمت وتثقفت وتوظفت في أهم الوظائف وباتت قادرة على الإنفاق، ليس على نفسها فحسب، بل وعلى زوجها نفسه إن هو أعيته الحيل عن إيجاد فرصة عمل.. ألم تسمعوا عن “المرأة المُعيلة؟”.

 

المرأة العربية تغيرت أحوالها جذريًا في السنوات القليلة الماضية، وأصبحت صاحبة القرار في كل شؤونها

إذا أتينا إلى قضية الميراث يسألون: هَب أن امرأة شاركت أباها بجدها واجتهادها في صنع ثروته بينما شقيق لها كسول خامل لم ينتج شيئًا.. فبأي حق يحصل هو على النصيب الأكبر من مال أبيه الذي صنعته هي ولا تأخذ هي إلا أقل القليل؟ أين المساواة هنا؟

إحدى نصيرات حقوق المرأة والمؤيدات لدعوة المساواة في المواريث طرحت مثالًا حيّأ يؤيد وجهة نظرها، قالت إن ثمّة ما يزيد على 800 ألف امرأة تونسية تعمل الآن بالفلاحة فتطعمنا وتموت البعض منهن وهُن يعملن، ومع ذلك فإن 62 بالمئة من هؤلاء الفلاحات يعملن في أراضٍ لا يملكنها فهل هذا عدل؟ وأضافت قائلة “يا سادة إن موضوع الإرث هذا مسألة اقتصادية وتنموية وحقوقية بالأساس”.

حجة أخرى يرتكن إليها المؤيدون لدعوة تساوي تقاسم الميراث، وهي أن الدساتير الحالية في كل البلدان العربية تساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، كما أن كليهما سواسية أمام القوانين والتشريعات، فلماذا إذا تعلّق الأمر بالميراث فرّقنا بينهما؟ أليس في تلك التفرقة تعارض مع الدستور واحتقار للقوانين؟ فإلى متى سنظل هكذا نعاني من فصام وتضارب في القوانين؟

فإذا انتقلنا إلى موضوع زواج المسلمة من رجل غير مسلم تقول حجة المؤيدين إن مئات الآلاف من المسلمات في الغرب، بل وفي البعض من البلدان العربية، متزوجات من رجال مسيحيين الآن بالفعل، وأنجبن منهم ويعيشون معًا في سعادة ووئام.. فماذا نفعل مع هؤلاء النسوة؟ هل نقيم عليهن الحد مثلًا فنقتلهن؟ ويشيرون إلى أن العالم بات قرية واحدة صغيرة وأصبح من المستحيل أن يعيش المسلمون في عزلة عن الباقين.

ويضرب هؤلاء المؤيدون زواج المرأة المسلمة ممن اختار قلبها بصرف النظر عن ديانته المثل بنساء عربيات شهيرات جدًا تزوجن من رجال مسيحيين بعد أن يلجأ هؤلاء الرجال إلى مجرد الحصول على ورقة رسمية مختومة بخاتم النسر تقول إنه “قد أسلم” مع أنه في سريرة نفسه باق على اعتقاده الأصلي، (والذي في القلب في القلب) فإلى متى يستمر هذا التمثيل وذاك النفاق؟

ولم تفت هؤلاء المؤيدين الإشارة إلى أن أحكامًا دينية عديدة، مثل مِلك اليمين، وفك رقاب العبيد، والتصرف مع سبايا الحروب.. وغيرها، قد أهملها واقع الحال فلم يعد أحد يتحدث عنها، فهل ننتظر إلى أن يجبرنا العصر إجبارًا على إهمال نصوص أخرى كثيرة قريبًا؟

تعليقات
Loading...