محيي الدين جمعة يكتب.. سيميائية الصورة وفتوحات التأويل ( المنهج  التعليمي ونقد الخطاب الديني)

92
محيي الدين جمعة

تَعَرَّض مدير المركز القومي للمناهج إلى انتقادات وغضب الجماعات السلفية والمتشددة دينيًّا، والتي وظَّفت هذه الانتقادات على أساس إيديولوجي، وتصفية الخلافات بفتح جبهات أخرى لمواجهة الدولة بعد أن قادت معركة العلمانية في وقتٍ آخر.

بدأت المعركة هذه المرة  بلوحة مايكل أنجلو (خلق آدم) في كتاب التاريخ للفصل السادس أساس، وقد كانت هذه اللوحة تاريخيًّا علامة بارزة في عصر النهضة لمايكل أنجلو الإيطالي، وليناردو دا فينشي، صاحب لوحة الموناليزا، توجد لوحة أنجلو، على سقف كنيسة سيستينا في الفاتيكان.

نشأ الخطاب الديني، الرافض لهذه اللوحة، من خلال تفكيك بنية خطاب اللوحة (الصورة) إلى عناصره الأولية والثانوية، وهو إجراء تقصي إلى أجزائها المكونة لها، والتي تحمل دلالات رمزية يمكن تأويلها إلى عدة معاني، وهذه العملية سيميائية بحتة؛ إذ أنَّ التحليل السيميائي، يعمل على تفكيك بنية العلامة كخطاب إلى أجزاء للوصل إلى المعاني المرئية وغير المرئية. ويشتغل الخطاب الديني في تأويل هذه العلامات في اتجاه صناعة وتشكيل الرأي العام، لإيجاد التأييد والدعم، وبطبيعته، يتحرك هذا الخطاب في عوالم أكثر إثارة.

يتحرك الخطاب الديني في فضاء مثير للجدل، يُظهر فيه حشدًا للمعنى، ويحاول أن يلفت انتباه الجماهير إلى عمق المعنى التأويلي، والذي يريد أن يرسله  إليها، إي المجاهير، وفقًا لأدواته التحليلية.

 أن الخطاب السيميائي، هو خطاب إشهاري، قصدي، وسريع الإتصال، ويمكن أن يتحول من موقع تأويلي إلى موقع تأويلي آخر، وهكذا دواليك للمعنى، ويمكن أن يُخرج الدال من المحتوى أو السياق الذي نشأ فيه (الأصل) إلى تأسيس هوية جديدة للمعنى، وهذا ما يريد الخطاب الديني أن يقوم به، ويعمل على تركيز الخطاب على الجسد في لوحة أنجلو، وفي صورة التلميذ والتلميذة في غلاف الكتاب، ويشتغل بأخذ العناصر المتمثلة وشرحها في عملية تأويلية، ويُذكر في هذا السياق للدوال أمبيرتو إيكو، في تفسير مفهوم التأويل اللامحدود والافتراضي في الخطاب الأدبي، ونحن الآن نشهد هذا التاويل اللامحدود ما بين الخطاب الديني المتشدد و المركز القومي للمناهج، وهذا يمكن أن يفتح مسارات أخرى للتأويلات الافتراضية، ويُذكر أيضًا بور ريكور، في مسألة ما يمكن أن يتحول هذا إلى صراع التأويلات، وتظل الحقيقة هي أننا نريد أن ننتقل إلى الحداثة من خلال الخطاب السيميائي الصوري ولكن كيف؟.

 هذه هي تحديات الانتقال الثقافي، بين من يريد أن يتحوَّل ومن يعيق هذا التحول، ولكن نتيقن تمامًا أنَّ الصورة مخيفة للبعض، وأنَّ خطابها قوي جارف (لثوابت) الخطاب الديني، وكما أن الفن هو نتاج للحرية الإنسانية، وقدنا ثورة سياسية من أجل الحرية، والآن نقود ثورة ثقافية أخرى، وهي الأقوى في اتجاه التحوّل الكلي للنظام السياسي و الاجتماعي و الثقافي في البلاد، مستوىً أكثر تقدمًا في اتجاه ألأصالة والمعاصرة الثقافية

تعليقات
Loading...