لم يكن صالحُ مثلهم

114
نسرين محمد

الثانية عشرة منتصف النهار.  تبدو أزقَّةُ القريةِ هادئةً.  تتوقَّف الأقدام – كالعادة – في مثل هذا الوقت، ويُقل عدد الذين يتجولون في الطُرقات .

الناس هنا – عادةً – يتركَّز نشاطهم في وقت محدد؛ من السادسة صباحًا إلى الحادية عشرة، بعد أن يعود من كان  في الحقل إلى بيوتهم.

جلّهم يأخذ قسطًا من الراحة قبل أن تبدأ رحلة المساء بعد الواحدة ظهرًا. وغيرهم ممن يعمل بالمدينة، يخرج صباحًا ويعود مع الغروب.

أما النساء، فيتجمَّعنَ في مكانهنَّ المعتاد تحت شجرة النيم التي تتوسط “الحوش الكبير”؛ كما هو معروف هنا، يمارسن مهنتهنَّ وهوايتهنَّ المفضلة في نسج ما تيسَّر لهنَّ من “السعف”؛ بين حبات البُن وأحاديثهن المحصورة بين (حفرة الدخان) و التخطيط لتزويج بناتهنَّ قبل أن يبلغن سنَّ السابعة عشر؛ وهكذا ينقضي جلُّ النهار.

الصغار مجتمعون في اتجاه آخر، يصرخون ويمرحون على طريقتهم الخاصة: نصب الشراك للطيور، وإنشاء بيوت الطين.

في ذلك الوقت  كانت سيارة النقل واحدةً؛ من فاتته رحلة الصباح أو المساء عليه قطع المسافة مشيًا.

كثيرًا ما يتذكَّر الناس كيف كانت حالُ القرية قبل عشرة أعوام مثلًا؛ فصل الخريف وانقطاع الطريق المؤدي إلى المدينة، عدد النساء اللواتي تعثَّرن في الولادة وفارقن الحياة حِينذاك.

الصورة في عينيه مبهجة؛ كلبٌ يغُطُّ في نوم عميقٍ، يلتحف الأرض جوار صاحبه،  لا تدري أيُّهم يحرس الآخر؟!.

 المنضدة الخشبية الكبيرة التابعة  لبائع الخضراوات، بدَت وكأنَّها تحفةٌ فنيَّة فريدة في نظره تارة؛ وأخرى يخال له أنَّها منصة “عٌرسه” يقف بجانبها.

كلما تقدَّم خطوة، تكبَر المنصة في مخيلته أكثر، يسمع قهقهات النسوة وزغاريدهنَّ، يشتَمُّ: رائحة قلوة البن، و”خمرة” عروسه.

اقترب منها، ثمَّ صاح باسمها معلنًا ما كان يسِرُّ لسبعة عشر عامًا.

كانت أوَّلَ مرةٍ يطلق العنان لمزاجه،  احتسى مما كان يعود به الرجال بعد الغروب. كانت نساءهم يخبئن في قلوبهنَّ  الكثير من القصص والشتائم  التي تعقب ذلك الحدث. هنا تكمن حقيقة أنه لا أحدَ يدرك المخبَّأ خلف الأبواب المغلقة. كانت النساء يخفين أثر تلك الليلة بأثوابهن – ما استطعن – حتى لا يفضحن ما خلفته أيدي أزواجهن. قد تسمع إحداهنَّ تمجِّدُ بعلها؛ وكأنَّ أصابعَه لا تبدو ظاهرةً على جسدها! كأنه كان يكفيها أن تغسل جسدَها من رائحة فمه!

 كان الواحد منهم ينام كرضيع في حضن أمه. يستيقظون صباحًا كأناس وآباءَ صالحين، يغمرون ما تبقى من أجسادهم في العمل وتكون فترة المساء معروفة.

لم يكن صالح مثلهم؛  أفاق من سكرته بعد أن جلب العار للتي ذكر اسمها سهوًا.

القرية هادئة – بطبعها – لكنها تغلي في الداخل بالكثير من الحكايا.

تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: