فاطمة غزالي تكتب.. هدير الاحتجاجات ظل صامداً رغم القمع

170
فاطمة غزالي

 

 

واهم من ظن أن نهاية الإنقاذ هدفا بعيد المنال، فالواقع السوداني يشهد أن النظام يحتضر بعد أن أنهكته الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية. ولعل شواهد الحال تنبيء أن الأخيرة هذه ستحرر شهادة وفاته قريباً دون انتقاص من مثيلاتها. أي أن التغيير في السودان لن يكون أمراً عصياً على القوى التي تعمل من أجله، والحقيقة أن النظام نفسه أدرك أنه في وضع لا يحسد عليه، بعد أن طوقه الفشل من كل جانب، ولن تفلح المساحيق التجميلية في إزالة القبح عن وجهه الكالح جراء ما اقترفت يداه.

على الرغم من نهج القمع والاعتقالات المستمرة، لن يستطيع النظام وقف الحراك الجماهيري الذي انتظم الشارع السوداني. فقد تنادت قوى المعارضة السودانية بدعوة الشعب للانخراط في مسيرة الخلاص الكبرى، وذلك في الثالثة من ظهر يوم الأربعاء 31يناير الجاري، انطلاقاً من ميدان الشعبية بمدينة الخرطوم بحري. فالذي لا شك فيه أن مسيرة الخلاص هذه تنطوي في دواخلها على شعاع الأمل، وسترفع درجة حماس الشارع السوداني، المزدان أصلاً بصمود الحراك الجماهيري والمقاومة السلمية لسياسات النظام الجائرة.

لعل اللافت لنظر المراقبين، أن حراك ( يناير) الجماهيري حرَّض قيادات المعارضة للخروج من نفق التردد، في يومي الثلاثاء والأربعاء السادس والسابع عشر من الشهر الجاري، وعزمها على انتزاع حقها الدستوري في الاحتجاج السلمي، بتسيير الحزب الشيوعي السوداني لمسيرة سليمة احتجاجية ضد الغلاء، وازداد الحراك حماساً جماهيرياً بالتظاهرة السلمية التي سيرتها قوى المعارضة من دار حزب الأمة القومي إلى ميدان الأهلية بأمدرمان، هذا التلاحم الجماهيري مع القيادة السياسية لقوى المعارضة يعد خطوة قوية هزمت الإحباط في دواخل المهمومين بأمر التغيير، وكأنها أصبحت ترياقاً للسؤال التعجيزي المثبط للهمم (من البديل؟) وأنجبت جنين الحراك الجماهيري الذي هزَّ منسأة سليمان، التي يستند عليها طغاة الإنقاذ.

إن هتافات المتظاهرين، وصمودهم أمام العنف، وتماسكهم أمام جبروت السلطة، كان بمثابة ثلاثية أربكت قيادات الإنقاذ المتدثرة بهيبة مصطنعة، وزعزعت قوتها الزائفة، وزلزلت الأرض المتصدعة التي تقف عليها. فكان من البديهي ألا تصمد أمام استحقاقات الحق الدستوري للشعب في التظاهر السلمي، وحرية الصحافة، والعمل السياسي.

إن استمرار الاحتجاجات السلمية في العاصمة الخرطوم، والعديد من مناطق السودان، رفضاً للحرمان من الحق في الحياة، لم تكن الأولى في سجل الحراك الجماهيري والتعبير الفاعل بالتظاهر وتسيير المسيرات السلمية. فالمسيرات الاحتجاجية هي امتداد لحركة المقاومة من أجل اسقاط النظام، تلك التي تراكمت ونتج عنها من قبل ثورة سبتمبر 2013م وإن لم تكتمل حلقاتها بسبب فقدان القيادة آنذاك. بيد أنها ظلت عنوان لتضحيات جيل اليوم بالدم والروح، ابتغاء تحرير الشعب من قهر الإنقاذ وصلفها المجانب للحس الوطني.

إن مبادرة قيادات الأحزاب السودانية، المتمثلة في قوى المعارضة، وتبنيها الحراك الجماهيري يعد ماكينة وقود للعمل المنظم للثورة، والشاهد على ذلك شق المتظاهرون طريقهم نحو ساحة الشهداء وميدان الأهلية بجسارة لم تتناقض مع شعاراتهم (سلمية – سلمية ضد الحرامية) أي ترفَّع المتظاهرون من أن يواجهوا عنف الطغاة بمثله، وكسروا حاجز الصمت بمسيرة احتجاجية سلمية منظمة حققت هدفها بالرغم من موجات العنف التي اتبعها النظام لقمعها، والتي هي عنوان لسلوكه الإجرامي منذ تأريخ سرقته الديمقراطية فجر 30/يونيو/1989، فالضرب بالهروات، واطلاق الغاز المسيل للدموع، والإساءات اللفظية والعنصرية، وحملة الاعتقالات لأعداد كبيرة من السياسيين والناشطين الحقوقيين والصحفيين وشرائح مجتمعية أخرى، لم تسلب روح الحراك الجماهيري الذي غذَّته القوى الحية (المهنية، الفئوية، النقابية، السياسية، الشباب، المرأة) ولعل التظاهرات الليلية تقود قطار التغيير الذي اقترب من محطته الأخيرة في سبيل الخلاص من نظام الطغاة الذي أرهق البلاد والعباد، بفساده واستبداده إلى درجة حرمان المواطنين من الحق في الحياة، وذلك باتباع الإبادة الجماعية بالبندقية والتجويع برفع أسعار السلع الأساسية، التي أصبحت صعبة المنال على المواطن، بل صارت قطعة الخبز الواحدة عصية على الأغلبية التي وصلت حد الفقر المدقع.

إن تاريخ الشعب السوداني مليء بالبطولات، فسبتمبر في العام 2013م، كانت عنوان لملحمة البطولة التاريخية للشباب الذين تظاهروا سلمياً، فكانت صدورهم مفتوحة لرصاص الطغاة الذي اخترق الأجساد بلا رحمة وتخضبت الأرض بدماء مئات الشهداء، والجرحى. وبذات الشجاعة بدأت البطولات تحرك الشارع، وازداد وتيرة الطاقة الإيجابية، وطفقت تسري في شرايين التغيير، لا سيَّما وقد أصبح خيار الأغلبية، بل لم يجد بعض سدنة النظام في أنفسهم حرجاً بالمناداة به. في حين انزوى الجبناء والمنافقين الذين رضعوا من ثدي الانتهازية.

إن المقاومة السودانية للظلم والقهر والاستبداد والطغيان، أطلت برأسها، وهاج وماج بحرها الهادر والذي سيغرق النظام في لججه العميقة، كما تنبأ الكاتب الصحافي المشهور فتحي الضو في آخر مؤلفاته (الطاعون) والذي وجه ضربته القوية للنظام بكشف أسراره، التي استند المؤلف في صدقيتها على الوثائق المسربة من جهاز الأمن والاستخبارات السوداني. إن اعتقال قيادات الصف الأول من الأحزاب السودانية، ومنهم سكرتير الحزب الشيوعي محمد مختار الخطيب، ونائب رئيس حزب الأمة القومي محمد عبدالله الدومة المحامي، والأمين العام لحزب الأمة سارة نقد الله، ورئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، لن يحقق هدف النظام الذي أراد تعطيل وشل الحراك الجماهيري، فهو حراك يمضي بقوة دفع عالية وتوافق سياسي وإرادة حقيقة للخلاص من الإنقاذ.

إن المواقف الشجاعة للمتظاهرين الغاضبين على سياسة التجويع، وتقيد الحريات ما هي إلا مقدمات لاضطراب البحر الذي جسده موقف عمنا يعقوب محمد مصطفي، رئيس حزب الأمة بمحلية السلام، هذا الشيخ الأنصاري الباسل، أدهش الرأي العام السوداني، بل العالمي بثباته الذي قذف الرعب في قلوب القوات الأمنية والشرطية، حينما وقف صامداً أمام الغاز المسيل للدموع، وزادهم هلعاً لحظة أن شاهدوا دخان (البمبان) يخرج من جيب جلبابه، وتوجه نحو عربتهم بخطىً ثابتة ليؤكد لهم أن لا قوة تقهر العزيمة إن صدقت. وفي الوقت نفسه كان فعله بمثابة إنذار للنظام من غرق حتمي. كذلك فإن شجاعة الصحفية والمناضلة أمل هباني التي ظلت تقاوم جبروت النظام في كل المواقف الوطنية، صارت مثلاً يحتذى، وهي بلا شك أيقونة نضال المرأة السودانية في جيلها. وعار على نظام يعتقل أمل وناشطات أخريات، وفي ذلك دليل على هوانه وضعفه وخوفه مما هو آتٍ!

نعلم أن أسرة أمل هباني قد أصابها القلق في ظل ما تواتر من أخبار تؤكد تدهور ظروفها الصحية، جراء ما تعرضت له، فهي تعاني من آثار التعذيب والضرب بالعصا الكهربائية إلى درجة أثرت على ضربات قلبها. وثمة أنباء كذلك عن تدهور الحالة الصحية لكل من الأستاذة ناهد جبر الله، والأستاذ محمد عبدالله الدومة، وعصام أبو حسبو، وأبو الحسن فرح. علماً بأن هذا السلوك الإجرامي والمخالف للدستور والمجانف للعرف الإنساني لن يوقف المد الثوري في السودان، بل يظهر قبح النظام ويفضح جرائمه ضد الإنسانية، وعجزه في مواجهة الحراك الجماهيري السلمي ومجابته بالعنف المفرط!

 

 

تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: