عزالدين عثمان يكتب: التشريع في فترات الانتقال، وتكوين المجلس التشريعي

20

تساؤلات.

عز الدين عثمان

مثّلت المطالبة بالإسراع في تكوين المجلس التشريعي، مطلباً مقدّماً من مطالب مواكب الذكرى الثانية للثورة، وقد حاول الثوار من لجان المقاومة الإعتصام أمام أبواب مبنى المجلس التشريعي، للتأكيد على المطالبة، ليس فقط بضرورة قيام المجلس التشريعي، وإنما طالت المطالبة طبيعة تكوين المجلس ذاته ( مجلس ثوري، التشريعي للثوار).

وتأتي هذه المطالبة لتؤكد اتقاد جذوة الثورة واستمرارها، في ظلّ سخطٍ من الأداء الضعيف لمكوّنات الحكم، والتخوّف المبرّر من التراجع عن شعارات الثورة، والسير في خطة لن تحقّق انتقال يفتح الباب لحكم مدني ديمقراطي. وقد عزّز هذا التخوّف إقدام شركاء الحكم ( بين قوسين)، على تعديل الوثيقة الدستورية، لإدراج جسم جديد هو ما سُمّي مجلس الشركاء، ومجلس الشركاء هذا بما كان يتمتع به من صلاحيات في صياغته الأولى، مدعاة للتخوّف من حلوله محلّ مكونات الحكم وسموّه عليها، بما في ذلك الحكومة المدنية التي تمثّل ما يمكن أن نطلق عليه ” مدني” في ظل سيطرة المكوّن العسكري على الحكم وعلى مجلس السيادة. ولا يعنينا هنا الحديث عن مجلس الشركاء، وإنما نودّ أن نناقش ونسهم في فتح حوار عام، وعلى وجه الخصوص بين جمهور لجان المقاومة، حول أهمية وجود مجلس تشريعي وطبيعة مهام وتكوين المجلس حتى يؤدي دوراً في خدمة الإنتقال.

قبل التوقيع على الوثيقة الدستورية، كنا نرى أن يقتصر دور المجلس على الرقابة، ويُترك شأن التشريع للمجلسين يمارسانه في اجتماع مشترك، وبالطريقة التي اقترحتها المبادرة المشتركة وقتها، وقد كنا ننطلق وقتها من الحقائق التالية:-

–  أن الأولى أن يُعهد بمهمة التشريع لهيئة منتخبة، وفي فترات الانتقال التي لا يوجد فيها مجالس تشريعية منتخبة، لا يشكل فرقاً أن تصدر التشريعات من جهات تنفيذية أو سيادية، ذلك أن الهيكل الذي سينتج كله، ليس سوى نتيجة اتفاق القوى التي تتولى ادارة الانتقال، وفق موازين القوى لحظة الانتقال، كما لا يمتد التشريع ليشمل مسائل تعالجها البرلمانات المنتخبة، كإجازة الدستور مثلاً.

– لم نعرف في تاريخ ثوراتنا برلمانات انتقالية، فعقب ثورة أكتوبر 1964 أجيز الدستور الانتقالي والذي أعطى سلطة التشريع لمجلس الوزراء ورأس الدولة، إذ نص الدستور على:-

” 37- (1) يتولى رأس الدولة ومجلس الوزراء السلطة التشريعية أثناء فترة الانتقال.

(2) تصدر التشريعات التي يجيزها مجلس الوزراء بصفة أوامر مؤقتة وتقدم إلى رأس الدولة للموافقة عليها على أن يكون لرأس الدولة حق إعادة أي أمر لم يجزه مجلس الوزراء بأغلبية ثلثي الأعضاء.

(3) عند وصول موافقة رأس الدولة تصبح للأمر المؤقت قوة القانون.

وعقب انتفاضة أبريل تولى هذه السلطة المجلس العسكري بالتشاور مع مجلس الوزراء الانتقاليين.

–  لا يصح مثلاً الحديث عن دستور تجيزه هيئة تشريعية غير منتخبة، أو مصادقة على معاهدات دولية، أو إطلاق يد الهيئة التشريعية الغير منتخبة في إصدار التشريعات، ولكن ثمة مهمة تشريعية واجبة لإلغاء أو لتعديل القوانين التي يجمع الناس على مناهضتها، ونضرب مثلاً بالقوانين التي تقيد الحريات وتعوقها مثل قانون الأمن وبعض مواد القانون الجنائي وقانون الاجراءات الجنائية، وغير ذلك من القوانين التي تهدر الحقوق والحريات بمختلف أشكالها، كالتعبير والنشر والتجمع السلمي…..إلخ، وذلك استناداً على ما يرد، عادةً، في الوثائق الدستورية الانتقالية، من نصٍّ على كفالة الحقوق والحريات، إذ أن ذلك هو ما يشكّل أساس تعديل أو إصلاح التشريع.

تلك كانت منطلقاتنا حينها – صفحتنا على الفيسبوك 9 يوليو 2019- ويبدو ان رأينا كان رهاناً على وحدة قوى الحرية والتغيير وإمساكها بمطالب الثورة، وعلى ما وضح انه وهم الطبيعة التشريفية للمجلس السيادي الذي لا يغالط اثنان في انه ليس مجلس سيادي، وإنما تنفيذي بامتياز وتفوق على مجلس الوزراء ويعوقه عن أداء مهامه، أو قل يملأ فراغه، وفق ما بينّت مسيرة الفترة الانتقالية.

ليس بالضرورة أن يؤدي التخلص من الأوهام، إلى تبنى وجهة نظر تدعو إلى أهمية تكوين المجلس التشريعي كما هو منصوص عليه في الوثيقة الدستورية، وتعتقد في جدواه، فقد يسأل سائل ماذا تغيّر في مهام المجلس التشريعي التي بنينا عليها رأينا الأول، وماذا بشأن تغوّل المكوّن العسكري، وضعف قوى الحرية والتغييروتشتتها؟

قبل الدخول في مناقشة جدوى تكوين مجلس تشريعي، في ظل الأوضاع الحالية، ومهام وتكوين ذلك المجلس، ربما يكون من المفيد أن نتحاور مع طرح للدكتور الشفيع خضر سعيد، في سياق حديثه عن مجلس الشركاء، في مقالة له بصحيفة القدس العربي بتاريخ 22 نوفمبر 2020، يقول الدكتور:-

” تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، يدخل أيضا ضمن التدابير الهامة والمفصلية المشار إليها. ولأنه مجلس غير منتخب، فإن صلاحياته تنحصر فقط في مراقبة أداء الحكومة ومساءلتها، وتغيير تركيبتها إذا اقتضى الأمر، وسن التشريعات الضرورية لتصفية نظام الإنقاذ، والتشريعات المتعلقة بقضايا ومسار الفترة الانتقالية. أما التشريعات المتعلقة بالقضايا المصيرية المرتبطة بإعادة بناء الدولة، فأعتقد أنها خارج صلاحيات المجلس التشريعي الانتقالي، ولا يمكنه البت فيها، وإنما تترك للمؤتمر القومي الدستوري. وكنت قد ذكرت في مقالي السابق، أن تشكيل المجلس التشريعي سيتأخر كثيرا بسبب العجز البائن في أداء القوى السياسية الحاضنة، والتي لم تخذلني أبدا، إذ قررت بالأمس مواصلة هواية تأجيل الأمر، فأجلته حتى نهاية هذا العام!. لكن، وبصراحة شديدة، تخامرني شكوك قوية، تكاد تقترب من اليقين، بعدم وجود جدية ورغبة حقيقية، عند كل الأطراف، الحاضنة السياسية وأجهزة الحكم الانتقالي، في تشكيل المجلس التشريعي، أو أن الصعوبات الطبيعية والمتوقعة إزاء التوافق حول كيفية ونسب تشكيله، هزمت هذه الأطراف. ومن زاوية أخرى، أجد صعوبة في هضم فكرة التواجد المتزامن للمجلسين، المجلس التشريعي الانتقالي متزامنا ومجلس شركاء الفترة الانتقالية. ففي اعتقادي، وفي الغالب، ربما تتطابق مهام ووظائف وصلاحيات المجلسين. وحتى وإن صمتت الوثيقة الدستورية عن تفصيل مهام وصلاحيات مجلس شركاء الفترة الانتقالية، فإننا، ومن خلال الممارسة والتجربة العملية، سنشهد هذا التطابق، وربما التضارب حد التشاكس، في صلاحيات ومهام المجلسين. وبصراحة، أعتقد أن وجود أحدهما ينفي معقولية وجود الآخر، أو أن تشكيل مجلس الشركاء، وهو الأقرب لأن يتحقق بحكم ما نراه من حماس تجاهه وفتور أو حيرة تجاه تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، سيجعل من الأخير، إن تشكل، مجرد نادي للفضفضة السياسية.
أعتقد أن فكرة مجلس شركاء الفترة الانتقالية جيدة، ويمكن أن تحقق الكثير من الإيجابيات لصالح استقرار الفترة الانتقالية، بشرط أن نحسن كيفية تكوين المجلس وضبط صلاحياته وعلاقته بالسلطتين السيادية والتنفيذية. وفي هذا الصدد، ومع ملاحظة أن بند تكوين مجلس الشركاء الذي ضمن في الوثيقة الدستورية جاء فقيرا ومبهما من حيث تحديد مهام المجلس وصلاحياته، أقترح، أولا: أن يتشكل مجلس شركاء الفترة الانتقالية من 1- المكوّن العسكري في مجلس السيادة. 2- رئيس مجلس الوزراء. 3- رؤساء الحركات والقوى الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان. 4- رؤساء الأحزاب والقوى المكونة للمجلس المركزي للحرية والتغيير.5- عشرة إلى خمسة عشر ممثلا للجان المقاومة (يتم التوافق معهم حول العدد وكيفية اختيارهم). 6- رؤساء الأحزاب والقوى المؤيدة والداعمة للثورة والفترة الانتقالية، من خارج تحالف قوى الحرية والتغيير، وبعد اعتماد توقيعهم على ميثاق الحرية والتحرير. 7- خمسة إلى سبعة من الشخصيات الوطنية المستقلة.
ثانيا: التوافق على مهام وصلاحيات وحدود اختصاصات مجلس شركاء الفترة الانتقالية، انطلاقا من ميثاق الحرية والتغيير، مع التأكيد والتشديد على التمسك بأن هذه المهام والصلاحيات تستند بالكامل على بنود هذا الميثاق، تنبثق منه وتأتي تفصيلا له، وعلى أن تؤول إلى مجلس الشركاء صلاحيات ومهام المجلس التشريعي الانتقالي، إضافة إلى مهام التحكيم وحل الخلافات، وأن يتم تحديد وصياغة كل ذلك بدقة ووفق صياغات قانونية محكمة.

نعم، يتكاثر الإحباط يوميا ويزداد حجمه، لكن ثورة شباب السودان أبدا لن تصبح أثرا بعد عين!”

نشر الدكتور الشفيع خضر مقاله قبل تكوين مجلس الشركاء، وقبل ما يُتداول الآن عن تعديل مهامه، وفي حديث الدكتور صدىً من قولنا السابق عن مهام التشريع في فترات الإنتقال، وفي مقاله يحاول الدكتور أن يخلق جسماً تشريعياً يميل ميزانه لصالح كفة القوى المدنية ويشرك لجان المقاومة بصورة معقولة، واتفقنا أم اختلفنا مع المقترح، نحمد له محاولة التفكبر في إحداث اختراق في الأفق المسدود، لتسترد لجان المقاومة وقوى الثورة المبادرة في صناعة الانتقال، إن كانت هي الخدعة- مستلفين حكمة الشاعر أمل دنقل-.

طرح الدكتور فيما يبدو، لأسباب ساقها، لا يعبأ بالتمسك بالوثيقة الدستورية – بالمعنى النصوصي- فهو يتنازل كليةً عن أحد هياكل الحكم الواردة في الوثيقة، ويقترح هيكلاً جديداً للتشريع يختلف تكوينه عن ما نصّت عليه الوثيقة الدستورية، سواء في صيغتها الأولى أم بعد تعديلها لإدراج اتفاقية السلام الموقّعة مع جزء من الحركات المسلّحة.

ولكن هل دكتور الشفيع هو وحده من يجهر بتجاوز نصوص الوثيقة الدستورية، بالطبع لا، فقد تم تعديل الوثيقة الدستورية بطريقة لم تعبأ بنصوصها، ودونك فكرة مجلس الشركاء الذي لا محل له في أي نص في الوثيقة والذي أصبح باتفاق من يسمون بالشركاء، جسماً دستورياً. وعلى الجانب الآخر أليست المطالبة بمجلس تشريعي ثوري، وشعار” التشريعي للثوار”، هي ذاتها خروج على الوثيقة الدستورية؟

صحيح ان التمسك بوثائق التأسيس مهم لأي مسار اتفاقي، إلا أن الاعتقاد بسمو النصوص على الصراع الاجتماعي وعلى توازن القوى، لن يكون سوى نصوصية واهمة، كما أن فهم الانتقال على انه مسار خطي يبدأ من نقطة ليصل إلى نقطة في مسار مخطط له، وفهم التسوية التي تمت بالتوقيع على الوثيقة الدستورية أنها أوقفت الصراع وقفلت الباب أمام التغيير في توازن القوى، سيكون فهماً قاصراً، وهذا ما تؤكده وقائع كل يوم، فبدون اصطفاف قوي للقوى التي تنادي بمدنية الدولة، قائم على استراتيجية وخطة واضحة، لن تأتي أية تعديلات في الوثيقة الدستورية أو في هياكل الحكم، لصالح قوى الثورة.

بالطبع لم يعد مقترح الدكتور في المنال، بعد تكوين مجلس الشركاء والتصريحات عن قرب تكوين المجلس التشريعي، هذا فضلاً عن إصرار لجان المقاومة على قيام هذا المجلس. تبقى اهمية كلام الدكتور في وعيه بحدود التشريع في فترة الانتقال وطبيعة تكوين المجلس الذي يتولي التشريع.

عوداً على سؤالنا عن جدوى المجلس التشريعي من حيث مهامه، ومن ثم العودة إلى السؤال عن تكوينه، لننظر في سياق انتقالنا الحالي ومهام المجلس الواردة في الوثيقة وتكوينه.

يختلف ما بعد ثورة ديسمبر عما بعد ثورتي أكتوبر وأبريل، من حيث طول فترة الإنتقال ومن حيث مهام التشريع في الانتقالين الأولين، ففي الثورتين الأوليين كانت الفترة الإنتقالية قصيرة – ستة أشهر في أكتوبر وعام في أبريل- ولم تكن ثمة تركة تشريعية ثقيلة تقتضي إصلاحاً مما تسمح به مهام التشريع في فترة الإنتقال، على عكس انتقال ثورة ديسمبر الذي يطرح صياغة مشروع وطني مما يقتضي فترة انتقال اطول، وإصلاحات تشريعية كبيرة تقتضي نظراً مختلفاً يحتاج سلطة تشريعية متفرغة وغير منشغلة بمهام غير التشريع والرقابة على أعمال الحكومة.

صحيح أن بعض مهام الإصلاح التشريعي، بل الكثير منها، أنيطت بالمفوضيات، إلا أن سن قوانين هذه المفوضيات هي مهمة المجلس التشريعي، ناهيك عن أن مسار الإنتقال كشف عن الدخول في اتفاقيات دولية مما يقتضي الإجازة من مجلس تشريعي مستقل عن مكوّنات الحكم الأخري، ورغم أن الدخول في معاهدات او اتفاقات دولية محدود بضرورات الانتقال، وضوابط الوثيقة الدستورية، إلا ان هناك الكثير من الاتفاقيات التي قد تعقدها الحكومة، وبالذات في مجال التعاون الاقتصادي والاستدانة والقروض، على سبيل المثال.

فكرة الانتقال ذاتها، بصورتها المتعارف عليها حالياً، في مختلف أرجاء العالم، هي وليدة ما بعد  نهاية الحرب الباردة، قبل ذلك وعلى ايام ثورتي اكتوبر وأبريل، لم تكن مفاهيم الانتقال والعدالة الانتقالية، وآليات مثل المفوضيات، لم تكن مفاهيم وآليات مطروحة، ولكن شيوعها بعد ذلك أثقل الدول التي تبنتها بمهام تشريعية مما يحتاج هيئات ذات تفرغ وتخصص.

وليس بالضرورة أن تشهد كل فترات الانتقال قيام مجالس للتشريع، ففي تونس ومصر- تجربتان قريبتان من تجربتنا- وفي العراق – حيث تم القضاء على النظام القديم- لم يكن ثمة مجالس تشريع انتقالي وإنما تمت انتخابات بعد فترة من سقوط النظام القديم، لذا فإن لكل بلد تجربتها وخياراتها التي تناسب سياقها، وبالنظر في طول فترة انتقالنا وتركة التشوّه التشريعي التي ورثناها من الإنقاذ، وثقل ما ينتظرنا من مهام تشريعية ورقابية، اخترنا في الوثيقة الدستورية قيام مجلس تشريعي لأداء مهمتي التشريع والرقابة.

بعيداً عن الحوار النظري حول شكل المجلس الذي يقوم بالمهام المحددة للمجلس التشريعي في الوثيقة الدستورية، نحن الآن أمام حقيقة لا بد من مواجهتها والتعامل معها، ألا وهي ان قوى الحرية والتغيير، صرّحت بأنها فرغت من تحديد ممثليها في المجلس وأنه سيُشكّل في نهاية العام، فما هي طبيعة تكوين المجلس الذي تريد له لجان المقاومة أن يكون ممثلاً للثورة، وكيف تنظر إلى مهامه؟

التكوين

بحسب الوثيقة الدستورية فإن المجلس التشريعي يتكون من قوى الحرية والتغيير، والقوى الموقّعة على اتفاق السلام وقوى الثورة غير الموقّعة على الإعلان، كلٍّ بنسبة محددة، إلا أن امر هذا التكوين انتهى ليكون بيد ما تبقى من قوى الحرية والتغيير وشركاء السلام، وربما يكون لمجلس الشركاء دور في تكوين المجلس.

طبعاً من الممكن جداً أن تقوم هذه القوى بتكوين مجلس تابع، وإلحاق جزء من لجان المقاومة- حقاً أو اسماً- كتمومة جرتق، فكيف تنظر لجان المقاومة لتكوين المجلس؟ وهل تريد الإلتزام بالتكوين الوارد في الوثيقة الدستورية أم انها تطرح مقترحاً مغايراً؟

إطلّعت قبل أيام، ولغرض تجميع الرؤى للإسهام في هذه المناقشة، على مبادرة 512، وهي كما يقول أصحابها:-

” مقترح 512 في الأساس هو مبادرة من تنسيقية لجان مقاومة الخرطوم غرب. لكن طبعا في عدد من المختصين في مجالات الإحصاء والتقنية والبرمجيات والقانونيين من داخل وخارج السودان ساهموا بشكل كبيرفي تشكيل ملامح المقترح عشان فعلاً يكون آلية إيصال رأي كل شرائح الشعب السوداني بصورة علمية، آمنة وديمقراطية.”

وباختصار، هذه المباردة تقترح أن ينأي أعضاء لجان المقاومة عن المشاركة في عضوية المجلس التشريعي بأي شكل من أشكال المحاصصة، إذ وجهت المبادرة نقداً قوياً للمحاصصات التي سبقت فيما يتعلق بتكوين الحكومة، فضلاً عن تخوف المبادرة من أن محاولة إشراك لجان المقاومة في اختيار المجلس التشريعي، مقروءة مع ما تم من تعديل بنود الوثيقة الدستورية، ومثال القانون المقيّد لحرية التظاهر السلمي، سيجعل من غير المأمول أن تؤدي مشاركة لجان المقاومة في المجلس التشريعي، في ظل النسب المحددة في الوثيقة، ومهما كان عدد المشاركين في المجلس من أعضاء لجان المقاومة، إلى أي تغيير، ” وده طبعاً بالإضافة إلى الجدل والخلافات والانقسامات المتوقع تحصل داخل لجان المقاومة أثناء عملية اختيار أعضاء المجلس بواسطة لجان المقاومة.”

ويتلخّص مقترح مبادرة 512 في:-

” ثاني خطوة أن الشعب السوداني بكل تنوعاته الاجتماعية والفكرية والقبلية والجيوغرافية وبقيادة لجان المقاومة في الأحياء، عبر كل ولايات السودان يضرب مثل ويكون قدوة لكل شركاء الحكم في السودان، بتسمية خمسة مرشحين، ثلاثة رجال وامرأتين، لكل مقعد من مقاعد المجلس التشريعي، بدون الحوجة لتعديل او تجاوز الوثيقة الدستورية، خلال فترة زمنية لا تزيد عن شهر.

الخطوة الثالثة والأخيرة أن كل مكوّن من مكونات الحكومة الثلاثة المكلّفة باختيار أعضاء المجلس التشريعي، يختار واحد أو واحدة من المرشحين القدمهم الشعب السوداني عن كل منطقة، لكل مقعد من المقاعد حسب تكليفهم بنص الوثيقة الدستورية ( 25% الجبهة الثورية، 55% قوى الحرية والتغيير، 20% القوى غير الموقّعة على إعلان الحرية والتغيير).

بالفعل لا يتجاوز المقترح الوثيقة إن قبل به الأطراف المفوضون بالتعيين، وقد حددت الوثيقة حداً أعلى لعضوية المجلس، ولكنها لم تحدد حد ادنى، فقط ينبغي عدم تجاوز مقاعد المجلس في عددها الثلاثمائة مع الاحتفاظ بالنسب، وقد يكون تقليل العدد مناسب لتقليل التكلفة.

يعي المقترح أهمية التعدد في تكوين المجلس، وقد أشار إلى التعدد الاجتماعي في تكوين الشعب السوداني الذي سيختار المرشحين، ولكننا لا نجد حديث عن التنوّع وجانب التخصص في من سيتم اختيارهم لعضوية المجلس.

المقترح حديث، ويبدو أنه لاحق لتعديل الوثيقة الدستورية، وبحسب أصحاب المبادرة، فإن المقترح سيُطرح على لجان المقاومة في كل السودان للتشاور حوله، ومن متابعاتنا تجري الآن مناقشات جماهيرية على مستوى قاعدي، عن ضرورة المجلس التشريعي وطبيعة مكوّناته.

هنالك كذلك مبادرة اخرى، هي مبادرة الشيخ أحمد الطيب زين العابدين، رئيس لجنة مقاومة شمبات، والمعروفة باسم مبادرة المجلس التشريعي الثوري، والتي تمثّل طرح متجاوز للوثيقة الدستورية، لم نطلّع على تفاصيل المبادرة، ولكن بياناً منشوراً بتاريخ 16/11/2020 على صفحة ” طيب الذكر” تجمع المهنيين السودانيين، وقعت عليه مبادرة المجلس التشريعي الثوري وتجمع المهنيين السودانيين وتجمع الأجسام المطلبية وقوى مدنية أخرى من قوى الثورة، انتقد التعديلات التي تمت في الوثيقة الدستورية قبل تكوين المجلس التشريعي، يوضّح الرفض لانفراد مركزية قوى الحرية والتغيير بأمر تكوين المجلس التشريعي بعيداً عن قوى الثورة، وحذّر من نهج الاستفراد الذي يتبّعه المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، وطالب البيان بعقد اجتماعات موسّعة وورش عمل تضم كل قوى الثورة لمناقشة تكوين المجلس التشريعي، وطالب البيان بتمثيل جميع قوى الثورة الحية في المجلس التشريعي، وتمثيل لجان المقاومة وأسر الشهداء بعد التشاور الواسع معهم مباشرة، وتمثيل الشباب والنساء والولايات، وإشراك قوى العمل من عمال وحرفيين وزراع ورعاة ومهنيين وموظفين عبر تمثيل مهني يراعي الرقابة التخصصية.

هنالك أيضاً الدعوة التي انطلقت في 19 ديسمبر ” التشريعي للثوار”.

كل هذه الرؤى توضّح حجم المخاوف من تنكّب قوى الثورة الطريق، واستمرار سيطرة المكوّن العسكري، ولكن الاختلاف في وجهات النظر قائم، وهو اختلاف حميد، وذلك لتعدد قوى الثورة من جهة، ولا مركزية لجان المقاومة من جهة.

وإذا كان لنا أن نقترح في شأن المجلس، وعلى ضوء فهم حدود التشريع، فإننا نظن أن مجلساً قليل المقاعد لأقصى حد ممكن، يتسم بتخصصية عالية، بتمثيل لجان المقاومة أم بدونها إذا رأت ذلك- ونحن أميل لأن تنأى لجان المقاومة عن المشاركة لتستمر رقيباً على كل هياكل الحكم- ، ويسعى من خلال التشريع والرقابة إلى دعم مدنية الحكم، هو ما يجب أن يكون نصب أعيننا، وندعو لجان المقاومة وأصحاب كافة المبادرات لخوض نقاش مفتوح وعاجل لمناقشة المبادرات المطروحة للوصول إلى اتفاق بشأن تكوين المجلس التشريعي.

وبالطبع لن يفيد ذلك ما لم تتحلى مركزية قوى الحرية والتغيير، وكذلك شركاء السلام، بالحكمة اللازمة وعدم التسرُّع في تكوين المجلس بمنأي عن المخاوف المشروعة وعن هذه المبادرات، وهل هنالك شريك في الثورة أحق من لجان المقاومة؟

وظيفة أم تطوّع:

مع رأينا في أن تكون عضوية المجلس محدودة أقصى ما يمكن، نضيف ونقترح على لجان المقاومة وأصحاب المبادرات، أن يدعوا إلى أن يكون العمل في المجلس التشريعي على أساس طوعي، وهذا ليس مقترحنا، ولا هي فكرة وليدة اليوم، وإنما هي من اقتراحات طيب الذكر تجمع المهنيين السودانيين، أيام كان يربّى الحلم، فقد جاء في وثيقة ” مقترح هياكل الحكم وصناعة الدستور في الفترة الانتقالية” المنشور على صفحة تجمع المهنيين والمؤرخ 22/4/2019، في الفقرة أولاً/ج/ 31:-

” المشاركة في برلمان الشعب الانتقالي ستكون طوعية، ولن يُعتبر وظيفة دولة بمستحقات حكومية، وتموّل أعمال برلمان الشعب من خلال صندوق إئتمان من المواطنين السودانيين( خاصة الجاليات السودانية في الخارج)…..إلخ.”

مع تقليل عدد عضوية البرلمان سيكون هذا المقترح، في تقديرنا، عملياً وممكن التنفيذ، وسيغلق الباب إرهاق الخزينة العامة بمزيد من الصرف.

ولعلّ مصدر إلهام التجمع في هذا المقترح كان ميدان الإعتصام، فالشعب الذي موّل وأدار معجزة الإعتصام قادر وسوّاي.

المهام:-

لا تقتصر المعضلة على التكوين، فثمة جانب يتعلق بالمهام، فمهام المجلس حسب الوثيقة هي سن القوانين والرقابة، وسن القوانين لا يعطي المجلس الحق في إبتدار مشروعات القوانين، وإنما مناقشتها وإجازتها او عدم إجازتها، كما أن المجلس لا يستطيع بسط رقابته على المجلس السيادي، وذلك مفهوم حين يكون المجلس السيادي لا يمارس دوراً تنفيذياً، وتقتصر صلاحياته على ما هو تشريفي، فما جدوى مجلس لا يسائل من يتخذ قرارات تؤثر في حاضر ومستقبل البلاد؟ وهل يستطيع المجلس مناقشة ميزانية الجيش مثلاً وتدخله في النشاط الاقتصادي المدني؟ لا نريد الخوض في تفاصيل ما تسمح به، او لا تسمح، الوثيقة الدستورية، ولكن ينبغي ان نكون على بصيرة بحدود الحركة في إطار ما هو قائم والجدوى من المشاركة، وإمكانية تعديل توازن القوى لصالح مهام أوسع.

البرلمان الشعبي الموازي:

أظن انه من المناسب أن تفكّر لجان المقاومة في تكوين برلمان شعبي، لمناقشة وتفكير قضايا الانتقال، ويمكن ان يعمل هذا البرلمان من خلال منابر متخصصة ترفد السياسة بأفكار وخطط، وتراقب ليس فقط أداء أجهزة الحكم، وإنما تكون منابر شعبية للحوار مع وبين مكوّنات المجتمع، وهي فكرة تتفق مع الطابع الشعبي الذي توّجه ميدان الإعتصام بالطيف الواسع من فئات المجتمع والنقاشات التي انتشرت في جميع مساحات ميدانه، تخيَل أن يدعو برلمان شعبي حزباً ما ليقدم برنامجه وأفكاره حول الولاية على المال العام والقضاء على سيطرة الشركات الأمنية على الموارد؟ ويمكن أن يناقش البرلمان قضايا قد لا يجد المجلس التشريعي إليها سبيلاً، مثل قضايا بناء جيش مهني يخضع للسيطرة المدنية، مثلاً.

كما أن برلماناً شعبياً ينبني على إرث الإعتصام بمآثره العظيمة من حيث تعدد فئات المشاركين، سيسهم بلا شك، في ان تعود الثورة إلى الجماهير، عبر المشاركة في أنشطة ذلك البرلمان، ونتصوّر مشاركة جميع فئات الشعب في تلك الأنشطة، رجالاً ونساء. لن تنجو هذه الثورة إذا لم تتعلّم من دروس تجربة الإعتصام وتستلهمها، وخيال ميدان الإعتصام، لا شك، ولّاد.

بالطبع هي فكرة تحتاج إلى الإسهام الجماعي للإتفاق على كيفية بناء هذا البرلمان/ الميدان.

ختاماً، حاولنا في هذه المقالة، تسليط الضوء على ما يمكن ان يكون نقاطاً مهمة للحوار حول تكوين المجلس وجدواه، ولا ندّعي أن لدينا تصوّر محدد، ولكن خيال شباب المقاومة أمثال أعضاء مبادرة 512، ومبادرة المجلس التشريعي الثوري، تشجّع على الأمل أن حواراً بين مكوّنات الثورة قادر على الوصول إلى صيغة للمجلس التشريعي تسهم في تعزيز التقدم نحو المدنية والديمقراطية.

يبقى المهم أن تضطلع لجان المقاومة بدور ريادي – وهي قد شرعت بالفعل في ذلك- للتنوير بأهمية تكوين مجلس تشريعي يحوز رضى قوى الثورة، وبضرورة تداعي الشعب كلِّه لوقف محاولة تكوين المجلس التشريعي بمنأى عن الإتفاق العام وبلا مبالاة بشواغل قوى الثورة.

تعليقات
Loading...