عباس محمد يكتب: محبتي للإمام مفضوحة، شابتها غضبة المُريد

300
عباس محمد /
عباس محمد

لم يقبر السودانيون أمس آخر رئيس وزراء منتخب ديمقراطيَّا و زعيم حزبي وإمامًا لطائفة الأنصار، لكننا ودعنا مرة واحدة وإلى الأبد الشاهد الأول على ثوراتنا الشعبية الثلاث.

المهدي، الذي أنفق أكثر من ست عقود، من عمره في الشأن العام، كان حكيمًا، شيَّعته محبة الناس إلى مرقده الأبدي، وسيبقى تاريخًا طويلًا وإرثًا مجللًا بالتسامح في أدب النضال من أجل أمتنا، مبذولًا لتدارس وأخذ العبر.

يختلف الناس حول الرجل ومواقفه وهو اختلاف يصل حدّ التجريح من قبل أهل العشم، وتعريض الحياة للخطر من خصوم السياسة ومستبدي الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت وطننا.

لكن ظلَّ الإمام يقابل فجور الخصوم و ضيق صدور الآخرين بصبر وتسامح نادر.

أكثر من ثمانية عقود عاشها الإمام، وهب ما يزيد من نصفها للركض في مضمار السياسة، وتصريف شؤون طائفة دينية هي الأعرق في السودان.

ورث الإمام حملًا ثقيلًا، وضعه تحت المجهر، فهو الزعيم الأوحد لملايين الأنصار المجبولين على الطاعة وخوض المكاره، رجالًا ونساءً، لا يهابون الموت ويتنادون لسدِّ الفَرَقَة كلّما دعا الأمر.

لم يكن الصادق قاصر النظر، أو قائدًا تحركه الغاية تبرر الوسيلة، من أجل سلامة شعبه وأنصاره، اختار الصبر ملاذًا، لم يأمرهم للنزال، بل اشتغل على تمدينهم وزرع بذور اللاعنف ليكون سلوكًا.

للمهدي فلسفة وحكمة، ففي عقود الاستبداد الإسلاموي الذي أسقطته ثورة ديسمبر المنتصرة، كان يحتشد أنصاره في انتظار أشارة الرجل، لكنه يمسكهم مخافة تحمل إراقة الدماء.

إرث الإمام الثقيل، بقدر ما كان رافعة سياسية، كان ترس حقيقي لتقدير المواقف وهو ما يجهله المتعجلون العشمانون، وكاتب هذه السطور كان في مواقف كثيرة منهم.

تعرفت على الإمام وأنا يافعٌ، بحكم البيت والأسرة، فنحن لا ندفن موتانا قبل أن يصلي عليهم الإمام الصادق المهدي، أو من ينيبه، ولا تطلق في بيوتنا زغاريد الفرح إلا بمباركته.

لم تربطني أيَّة علاقة سياسية بتنظيم حزب الأمة والطلاب الأنصار، لكن ظلَّ يناديني الإمام عندما التقيه برفقة عميد أسرتنا الراحل بكري عديل أو في محفل عام : “الأنصاري المستقل”.

في مؤتمر الطلاب المستقلين، من جيلي كنت أنا وصديقي نائب رئيس المؤتمر السوداني الحالي مستور أحمد محمد، منحدرين من بيوت أنصارية، لم تنقطع عنها تلاوة راتب المهدي.

محبتي للإمام كانت مفضوحة، شابتها في مراتٍ كثيرة غضبة المُريد من الصادق، رجل السياسة .

رحل شجرة ا(لضل وإمام الكل)، تاركا حياة سياسية يختلف ويتفق الناس حولها، لكنهم على يقين أن الرجل الذي حكم في فترتين 1967-1986م كان نزيهًا لم تفتنه سلطة وظل وفيا لموقفه الرافض لتولى أمر الناس بعيدًا عن صندوق الاقتراع، متحديا المستبدين أن الديمقراطية راجحة وعائدة.

بغياب المهدي، تفقد الساحة السياسية في السودان رمانة ميزان، ظلت ولسنوات طويلة، قطيته منطقة وسطى يلتقى عندها فرقاء السياسة في بلادنا، ومسرحا للفن والأدب وملعبا يجد فيه الرياضيين أنفسهم.

الغياب الأبدي للإمام، يخلف الكثير من التحديات في حزب الأمة و الكيان الدعوي للأنصار، وانعكاس ذلك الأمر سيمتد إلى فترتتا الانتقالية الحالية، وهو تحدي يحتاج انتباه الجميع.

احتضن تراب أمدرمان أمس جسدًا منه، ثم اغمضت المدينة التاريخية التي تعشق الطرب عيونها باكية ، كسائر البقاع التي يمشي فيها السودانيين بقلوب مفجوعة لرحيل حكيم السياسة السودانية.

عفى عنَّا الإمام ولنعفُ عنه ونتلاقى عند الدائم، “سِدُّوا الفرقة”.

تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: