عباس محمد يكتب.. لماذا كانت بلادنا منبوذة؟!

137
عباس محمد

بأمر الثورة الظافرة، وبعزم السودانيين الأحرار، وبدماء الشهداء الغالية، ودعت بلادنُا أمس الإثنين 14 ديسمبر 27 عامًا من العزلة، وعادت إلى حضن المجتمع الدولي، بعد غربةٍ اضطرارية، وحجزٍ قسري في قائمة رُعاة الإرهاب التي لا تشبه شعبنا السلمي والمسامح.

ها هو ديسمبر، شهر الأمل السوداني الفسيح، يطِلُّ محملًا بالفرح، ملوحًا بفرصة جديدة نادرة، لشحذ الهمم ومواصلة السير من أجل بناء سودان الحرية والسلام والعدالة.

مُغادرة قائمة الدول المنبوذة، حدث عظيم ورشفة أمل يحتاجها السودانيون، لنفض الاحباطات التي تحاصرهم، بسبب صعوبة طريق الانتقال.

رغم يقيني التام أنَّ أيام وطننا الأفضل لم تأتي بعد – وهي قادمة لا محالة – هناك قناعة راسخة ظللتُ أرددها باستمرار، أنَّ عملية التغيير وَقُودُها الوحيد هو الصبر والنفس الطويل.

وهو وقودٌ نحتاجه كسودانيين بمختلف تياراتنا السياسية والفكرية هذه الأيام، وقبل ذلك علينا التوقف قليلًا، نتأمل الحقبة المبادة، بكل قسوتها وجبروتها ومصادرتها للحياة، ولا ننسى ذلك أبدًا وأن لا نسمح بتكراره.

وهنا، يجدر بنا أن نسأل أنفسنا سؤالًا  واحدًا، لماذا كانت بلادنا منبوذة؟، قبل وضع الخطط و بداية العمل.

فالنظام المباد الذي أفسد وقهر وقتل وعذَّب وتدخل في شؤون البلدان الأخرى، ما جاء قادتُه من كوكب المريخ، بل هم أبناء هذا الوطن الذين تربوا داخل منظومته الاجتماعية .

نعم (الكيزان) هم نتاج منظومتنا الاجتماعية، خرجوا من بيوتنا و حوارينا وأريافها. وهذا ردٌ بديهي للسؤال الاستنكاري للأديب الراحل الطيب صالح،  من اين اتى هولاء؟.  

نحتاج اليوم – بشدة – لوقفة تأملٍ من أجل مراجعة تجربة ثلاثة عُقود، تسببت في حشر بلادنا في متاهاتٍ اقعدت بالوطن. وقفة لمكاشفة أنفسنا أولًا، ومواجهتها حتى لا نُعيد إنتاج التجربة المنبوذة.

التيار الإسلامي الذي حكم بلدنا وفتح أبوابها للإرهابين وحولها لمطبخ مؤامرات دولية، استطاع الشعب بكفاحه الدؤوب أن يقذفه إلى مزبلة التاريخ في المعركة الصغرى، ولا زالت أمامه معركة أخرى، هي سَدُّ الطريق أمام نظام مشابه.

قد يذهبُ تفكيرك إلى العسكريين، وهو قفز إلى النهايات مباشرة، أنا هنا أتحدثُ عن الجميع، مواطنين، وحكام، وآباء وأمهات، ومساجد، ومدارس تحتضن التلاميذ.

النظام الحالي المسنود بآمال السودانيين ومعجونٌ من دماء الشهداء، قادتُه غير محصنين من الانزلاق في مهاوي ماضينا المخجل، ولن نجد سبيلًا من منعهم سوى بالعمل المتصل بروح ديسمبر.

الثورة في عامها الثالث، وعهد وطننا الجديد وعودته إلى العالم مُنَزَّهًا من دنث الإرهاب يتطلب منا أن نطلق شوط الثورة الأصعب، ثورة على الموروث والزيف ومراجعة البنية الاجتماعية، التي فرَّخت النموذج المباد.

هذه ثورةٌ لا تُشعلُ لها إطاراتٌ في الشوارع، ولا تُقام لها اعتصاماتٌ في الميادين، لكنها – كذلك – تبدأ من الذات بين النفس وخلجتها، تحتاج إلى ضمير ثوري زاجر.

ما يجب أن يعرفه الكل ويؤمنون به، أن السودان لن يعود إلى ما قبل ديسمبر 2018م، لكن الضامن الحقيقي لذلك من دون شَكٍّ هو السؤال، فقط علينا أن نُبقي السؤال والشَّكِّ حاضرين.

تعليقات
Loading...