رَهَقُ العقوبات ثقافيًّا

32

“إلى أيّ مدىً ألحقت العقوبات الأمريكية على السودان ضررًا بالثقافة السودانية، على مستويات البنية والمنتج، ومدخلات الإنتاج الثقافي، وغيرها؟. هل وضعتها في العزلة عالميًّا، أم أنَّ هناك محاولاتٍ فرديةً وجماعية حاولت اختراق هذه العزلة، وما هو المنتظر، ثقافيًّا، بعد رفع العقوبات؟”.

الجماهير: الحسن عبد العزيز

بالضد من الأصمعي باشري الكاتب، يرى مازن بَرَّي، الصحفي، وفني ميكنة الصحافة، والمهتم بالشأن الثقافي، أنَّ العقوبات الأمريكية على السودان لم تؤثر في المشهد الثقافي؛ سوى بطريقة غير مباشرة. يُحاجُّ: “كل شيء كان يأتي ولو بطرق ملتوية”. لكن باشري، الشاعر والكاتب يقول للجماهير: “بطبيعة الحال، أثَّرت العقوبات المفروضة على السودان منذ أكثر من عقدين، على جميع مناحي الحياة، اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، ولكن تأتي مسألة تأثُّر الثقافة السودانية بالعقوبات أمرًا مُركبًا. فبالإضافة للعقوبات هو التهميش الكبير والتجريف الخطير الذي تعرضت له إبَّان حكم النظام المباد، فأقعدها ذلك مرتين من القيام بدورها، والمشاركة مع ثقافاتٍ أخرى في الحوار والتفاهم. مضيفًا: “عجزت الثقافة السودانية طيلة العقدين المنصرمين، عن لعب دورها المحلي ناهيك عن الإقليمي والدولي”.

مازن بري

يعود مازن بَرِّي بالقول: “الذي تأثر بالكامل هو الاقتصاد، واضطراب العملة السودانية، هذا ما أثر على المنتوج والبنية الثقافية برمتها”. يواصل: “صحيح أنَّ التشوه كان كبيرًا، والتجفيف للمراكز ودور السينما والمهرجانات والمسرح كان شاملًا، ودخل السودان والثقافة في عزلة طويلة”.

يقول بَرِّي كذلك، أنَّ السوق السودانية وجدت بديلًا لا يقل جودة، تمثلت في الأسواق الصينية واليابانية. لكن الذي تأثر – يقول – هو الفني الكفء، الذي وجد أنَّه في واقع اقتصادي متدهور، ولم يجد بُدًّا من الهجرة. يضيف بحسرة: “الفني الأجنبي أفضل حالًا”.

الأصمعي: إزالة العقوبات فرصة سانحة لتقديم الثقافة السودانية

ويرى الأصمعي باشري أنَّ الإشراقات القليلة، والمشاركات البسيطة، بالمجهودات الفردية والعلاقات العامة، نجحت إلى حد ما، في مشاهدة سينما سودانية، مثلًا على منصات دولية. يواصل: “كذلك  الرواية بشكل محدود، وغابت الموسيقى صاحبة القِدح الأعلى سابقًا، وغاب أيضًا المسرح إلا لمامًا”.

ويرى الأصمعي، أن إزالة العقوبات فرصة سانحة لتقديم الثقافة السودانية، من جديد، خاصة بعد ثورة عظيمة وملهمة. “ولكن ذلك لن يتأتى مالم تقف الدولة في دعم ذلك، بتشجيع المثقفين، وتهيئة مناخ الإبداع، وسن التشريعات والسياسات التي تعضد من دفع العملية الثقافية لتلعب دورها داخليا وخارجيا”.

التشكيلي اسماعيل حسن

ويرى التشكيلي د.اسماعيل حسن، أنَّ الشعب السوداني هو الذي دفع ثمن العقوبات الأمريكية على السودان، وأنه عانى من الناحية الصحية وبالتحديد مرضى السرطان والكلى وهنالك حالات وفاة لم تحصَ بسبب عدم توفر الأجهزة والمعدات الطيبة أو صيانتها وأدوات المعامل والمحاليل وفحوصات مرضى الكلى وزراعتها؛ لأن الأجهزة أمريكية الصنع. يقول للجماهير: “وأيضًا على الجوانب المصرفية والمعاملات حتى السودانيون خارج الوطن تأثروا في عمليات التحويل لأسرهم بعد التردي الاقتصادي الذي وقع على السودان، وعدم إدارة الأزمة بمهنية. بالإضافة لمؤسستنا الوطنية الخطوط الجوية السودانية أيضًا، فقد توقفت 15 طائرة سودانية بسبب قِطَع الغيار والمحركات فتوقفت الرحلات الداخلية وحتى الخارجية. والسكة حديد لا تقل تضرُّرًا فقد انهارت البنية التحتية. وقطاع التعليم أيضا في الحرمان من الزمالات والدوريات العلمية وشراء المراجع والكتب عبر الإنترنت”.

يقول الناقد ناصر السيد للجماهير: “أدَّت سياسات نظام الإسلامويين المباد إلى عزلة ثقافية بآيدولوجيته الصدامية في مواجهة حقائق العالم، ولم تكن العزلة تعود أسبابها – حصرًا – على المؤثرات الخارجية متمثلة في العقوبات الاقتصادية والحظر وما جنته انتهاكاته بحق مواطنيه. فالنظام بدأ بممارسة عزلة ثقافية داخلية فرضتها تصوراته الآيدولوجية الإقصائية بمعاداة الميراث الثقافي والقِيَمي باستخدام الوسائل الثقافية بما يخدم أجندته، فدشَّن سياساتِه الهوجاءَ في المصادرة وتوجيه المشهد الثقافي والتعليمي وفق رؤى مشروعِه المنهار في التعريب والأسلمة القهرية للمرموزات الثقافية”. ويواصل: “تتابع أثر العقوبات الاقتصادية وأثرت بالتالي على مُدخلات الثقافة وصناعتها وانكمشت بفعل التضييق على الحريات حركة الإنتاج الإبداعي والثقافي وانتهى السودان إلى جزيرة معزولة ثقافيًّا كما عزلته السياسية والاقتصادية. الغريب في الأمر أنَّ هذا حدث في ظل الانفجار المعرفي الهائل بفضل ثورة التقانة المعلوماتية، وبروز العولمة كظاهرةٍ وحَّدت العالم واخترقت الحدود حتى في الدول الأكثر تحصينًا من وراء جدرانها المصمتة”.

أدَّت سياسات نظام الإسلامويين المباد إلى عزلة ثقافية

وفيما يخص الفن التشكيلي يرى د. إسماعيل حسن، أنَّ هناك ضررًا كبيرًا على مستوى الأدوات الفنية الأمريكية ذاتِ الجودة العالية، فقد انتشرت الأدوات الصينية في سوق الفن السوداني فكان لها الأثر المباشر على جودة الأعمال الفنية. يضيف: “حتى الصناعات التي تتعلق بالتصميم الصناعي؛ وأقرب مثال شركة جياد. وعلي مستوى المشاركات الدولية والتبادل الثقافي عمومًا (التشكيلي والموسيقي والمسرحي) توقف منذ زمن بعيد بسبب هذه العقوبات. أيضا ما يخص البنية التحتية للمسارح وصالات العرض والأدوات الموسيقية، وأدوات التسجيل والتصوير والأستديوهات”.

يواصل: “ربما بعد رفع العقوبات يشهد السودان استقرارًا على جميع المجالات ويتعافى الاقتصاد ويرتفع مستوى دخل الفرد وتبدأ المؤسسات الحكومية والخاصة بالانتعاش من جديد. وتشهد الحركة الثقافية تطورًا وتبادلات فنية بين الدولتين”.

ناصر السيد

ويختتم ناصر السيد، أنَّ الثقافة – كانفعال عقلي وطموح إنساني – لا تعرف السكون والجمود. يقول: “دائمًا ما تتخطى حدود العزلة في مقاومة مستمرة ضد فعل التدجين السلطوي أو الديني أو الآيديولوجي. ومن هنا جاءت الاختراقات من مبدعين وآخرين ينشطون ضد المشروع الإقصائي في حدود ما سمحت به الظروف وشكلوا صوتًا جهيرًا نَفَذَ إلى الخارج كأعمال سردية إبداعية وفنية تطويرًا للمفهوم الإنساني للثقافة عبر منصات التواصل التي أوجدت مجالًا للنشر عصيًّا على المنع”.

يواصل: “وبعودة السودان إلى مسار الدولي كدولة طبيعية يؤمل أن تسهم ظروف ما بعد العقوبات إلى إعادة الاعتبار إلى المشهد الثقافي وتفعيل البرامج الثقافية والتعليمية والتواصل مع المؤسسات العالمية والجامعات والمراكز البحثية. ولأن البينية الثقافية أكثر ما يحتاج إلى تأهيل وظلت مجهولة لدى صانع السياسات، ينبغي أن تراعي مؤسساتها وتفعيل نظمها لتصيح مؤسسات مستقرة لا تخضع للمواسم الاحتفالية العابرة”.

تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: