خالد عمر يكتب.. ‎اتفاقية جوبا للسلام.. فرصة تقوية مسار الإنتقال

0 273

Advertisement

خالد عمر يوسف

توفر اتفاقية جوبا لسلام السودان فرصة نادرة لوضع مسار الانتقال على جادة الطريق الصحيح، وهي فرصة لا تتحقق ذاتياً دون تعاطي واعي من مختلف قوى الثورة وفق رؤية واضحة لما كان وما سيكون، تشخص مكامن الخلل وتصف المعالجات وتمتلك الإرادة الكافية لإنفاذها بصورة جماعية.

أهم ما وفرته اتفاقية جوبا للسلام هي ربط السلام بالتحول الديمقراطي، وهي المعادلة التي غابت في طوال سنوات تجربة الدولة السودانية الوطنية، حيث شهدت بلادنا اتفاقيات سلام عديدة وقعت في ظل سلطات شمولية فلم تكتب لها الديمومة بفعل نزق الدكتاتوريين ورغبتهم الأصيلة في الاستئثار بالسلطة، وهي رغبة تتناقض وجذر الحروب الرئيسي وهو انكار تعدد البلاد وتنوعها وجعل الدولة غنيمة في يد الأقلية. فشلت كذلك جميع أنظمة الحكم الديمقراطي في السودان في وقف الحروب عقب الاستقلال وبعد ثورتي ابريل واكتوبر، وكانت السمة الأبرز هي المماحكات الحزبية التي تعلي من تكتيكات اللعبة السياسية، وتقصر نظرتها عن البعد الاستراتيجي المتمثل في مخاطبة أسس فشل الدولة السودانية، فكانت النتيجة المتكررة هي اجهاض الديمقراطية بفعل تصاعد الحروب الأهلية وافراغها من محتواها الحقيقي بإقصاء غالب أقوام السودان من معادلة تحديد نوع الدولة التي يودون العيش فيها وكيفية ادارتها وتوزيع مواردها بعدالة بين الجميع. وفقاً لتجربتنا التاريخية هذه فإن اتفاق جوبا للسلام هو المحاولة الأولى لتصحيح خطايا تاريخنا الوطني بما يضمن ادخال معطيات جديدة لمعادلة تركيب الدولة السودانية، وهي معادلة متى ما أحسنت ادارتها وفرت عنصر الاستدامة للسلام والديمقراطية معاً.

يوفر سلام جوبا ايضاً سمة مختلفة أخرى من فترات الانتقال السابقة وهي كسر الطابع المديني المركزي لانتفاضات السودان، والتي كانت تؤول في نهاية المطاف لاستبعاد واسع لهوامش السودان وقواه عن العملية السياسية، ضيق قاعدة الانتقال هو وصفة فنائه والأصل في نجاح التحول الديمقراطي يكمن في توسيع قاعدة القوى الراغبة فيه وتعبيره عن مصالحها بصورة حقيقية، وهو ما لن يتوفر في ظل استبعاد حركات الكفاح المسلح عن العملية السياسية صغرت هذه الحركات أم كبرت، فهذه القضية لا تقاس بمعيار عدد البنادق بل تقاس بموضوعية القضايا التي تعبر عنها هذه الحركات، ومن غير المناسب أن يحاكم أحدهم حركة ما بذات المعايير البشيرية/النافعية “ورونا ضراعكم!!” … ضراع الحروب الأهلية تسهل تقويته بنكران القضايا التي تسببت فيها وتجاهل جذورها الحقيقية، وفي ظل معادلة إقليمية ودولية تسعى لتشكيل الانتقال السوداني وفق اجندة متضاربة، فإن تعذر الوصول لتسوية سلمية يفتح الباب لتدفق السلاح من أبواب عديدة لا تلام وحدها في ذلك، بل يلام بذات القدر من يعبد الملعب لاستدامة الحرب بالذهول عن مواطن تفجرها. تاريخ النزاع السوداني مليء بتجارب شبيهة، فالحركة الشعبية لتحرير السودان عقب انقسام الناصر في العام 1992 ضعفت وتراجعت بصورة كبيرة حتى ظن نظام الإنقاذ أن بإمكانه القضاء على الجيش الشعبي عبر متحركات صيف العبور وغيرها من مسميات، غير أن تغير رياح الداخل والخارج قلبت المعادلة رأساً على عقب لتسترد الحركة قوتها وتوسع من جبهاتها، ولتخسر البلاد وحدتها ودماء الملايين من بناتها وابناءها بسبب ظن الإنقاذ الساذج بإمكانية كسب الحرب دون علاج مسبباتها.

مما يثير القلق حالياً هو نهوض عدد من القوى الداخلية للتعاطي مع اتفاق السلام بنظرة تنافي مقاصده، فبعض القوى لا ترى في هذا الاتفاق سوى تهديداً لمكتسباتها بعد الثورة وتقدم رغبة الاحتكار عما سواها من معطيات، وما يغيب عن هذه القوى أن هذه الامتيازات لا يمكن الاحتفاظ بها على طريقة “الفول فولي”، ففول الثورة هو زراعة قوى عديدة مدنية ومسلحة ومتى ما استبعد طرف من الأطراف فإن هذا “الفول” سيتشتت بفعل من يتربص بالانتقال ككل وينتظر اللحظة الحاسمة للانقضاض عليه. قوى أخرى تجهز لمغامرات ضيقة القاعدة وهي تعلم أن هذه المغامرات ستفشل بفعل ادخال قوى بحجم حركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاق جوبا لمعادلة الانتقال، ومن المثير للانتباه أن دعاة مغامرات القفز في الظلام هذه يتوزعون بين معسكرات متعددة ومتضادة وتلتقي مصالحهم في تقويض الانتقال الحالي، تلاقي الارادات هذا هو تلاق للهدم ويمكن أن يحقق هذا، ولكن التضاد في رؤى تلك القوى يجعل من مشروع البناء البديل في عداد المستحيل، ومع هشاشة بناء الدولة السودانية فإن حصيلة أي مغامرات من هذا القبيل هو انهيار السودان الذي لا يجب النظر لإمكانية حدوثه باستسهال!! أخطر مقاربات التعاطي مع سلام جوبا هو دعوات الاصطفاف الجهوي التي ترفع أسنة رماح مواجهة ستحرق كامل البلاد التي تجلس علـي برميل بارود تفتت النسيج الاجتماعي الموروث من عقود نظام الإنقاذ العجاف.

اتفاق جوبا للسلام ليس نصاً كاملاً لا ثقوب فيه، فهو عمل بشري نتج عبر حوار طويل مثقل بتاريخ من الحروب الداخلية التي لا يمكن معالجة اثارها ومسبباتها بسهولة، وعليه من الطبيعي أن تكون به نواقص وأن تتباين وجهات النظر حول بعض المقاربات التي وضعها الاتفاق للقضايا المختلفة التي تناولها، ومن الأوفق أن يدار حوار مجتمعي واسع حول قضايا السلام وكيفية استكماله وتعزيزه، وأن تتضافر الجهود الآن لتنفيذ الاتفاق الذي صار واقعاً لن يسعى للانقلاب عليه إلا من يريد بالبلاد الانزلاق للمجهول.

يمكن أن يكون اتفاق سلام جوبا مدخلاً حقيقياً لمراجعة عام من الانتقال ومعالجة ما حدث فيه من نواقص وتقوية مؤسسات الانتقال وتوسيع قاعدتها وضخ دماء جديدة في جسد الثورة السودانية تحافظ على روحها حية متقدة وتعين على استكمال مهامها ومواجهة التحديات التي تعترضها.

-نشر بصحيفة الديمقراطي

Advertisement

تعليقات
Loading...