حمدوك .. هل هو مؤهل للتوسط في انقسامات قوى ثورة ديسمبر؟!

82

عبدالله رزق

[email protected]

الدكتور عبدالله حمدوك، ليس محايداً سياسياً ليكون مؤهلاً للتوسط بين القوى المنقسمة حول سياساته، ابتداء، لإعادة توحيدها. فهو طرف فاعل في الساحة السياسية، ويتحمل جزءاً من المسؤولية تجاه الانقسامات التي تشهدها. لذلك فإن مبادرة حمدوك لإعادة توحيد قوى الثورة، ممثلة في تحالف قوى الحرية والتغيير، كان ينبغي أن تنطلق من موقع النقد الذاتي، لدور حمدوك وسياساته في انقسام قوى الثورة، وتشرذمها، وتناحرها، واصطراعها فيما بينها. فالدكتور عبدالله حمدوك اختارته قوى الثورة ممثلة في تحالف قوى الحرية والتغيير، ليكون رئيس الحكومة الانتقالية، وذلك بناء على نصوص الوثيقة الدستورية.
وتأسيساً عليها، أيضاً، فإن حمدوك معني بتنفيذ سياسات وبرامج تحالف قوى الحرية والتغيير، ويتعلق بذلك معيار نجاحه أو إخفاقه في مهمته الدستورية. غير أن ذلك لم يحدث. ففي غياب، أو تغييب المجلس التشريعي المعني بمراقبة أعمال السلطة التنفيذية، ومساءلتها، وبالتشريع أصبح حمدوك يستقل شيئاً فشيئاً عن قوى الحرية والتغيير، متسبباً، في أبرز الشروخ في جسد السلطة الانتقالية، بينها وبين حاضنتها الافتراضية. وخلافاً للديموقراطية، والإدارة الديموقراطية، تميز حكم حمدوك بعدم الشفافية، والتفرد في اتخاذ القرار، وتبني سياسات غير متفق عليها، وتقويض مبدأ التوافق الذي تنهض عليه الفترة الانتقالية. وهو مدخل الأزمة التي تعيشها البلاد، أزمة الحكم الانتقالي، بالدرجة الأساس.
تمظهر ذلك في ابتعاد حمدوك عن الحاضنة السياسية، وتقاربه مع المكون العسكري، بما ينطوي عليه ذلك من إضعاف للمكون المدني، وابتعاد السلطة الانتقالية عن جماهير الثورة، كأبرز ملامح الانقسام. لقد عاشت البلاد على “أعصابها”، عقب ما تردد عن خلاف بين رئيس المجلس الانتقالي ونائبه، وبين الجيش وقوات الدعم السريع، وهو أمر سارعت الأطراف المعنية إلى تكذيبه، في وقت أوغل الخلاف بين المكون المدني والمكون العسكري لمدى بعيد، بدلالة استقالة الأستاذة عائشة موسى من مجلس السيادة. ومع ذلك، فقد استمر المكون العسكري في التشبث بقيادة الفترة الانتقالية بدلاً من تسليم القيادة للمدنيين، منذ ١٧ مايو الماضي، وفقاً للوثيقة الدستورية.
هذا النهج غير الديموقراطي، غير المسيطر عليه، في إدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية، هو ما سمح ببروز مراكز قوى داخل الحكم الانتقالي، بعضها مدعوم من الخارج، تتنازع السلطة فيما بينها. وعادة ما يشار بأصابع الاتهام كلها لحمدوك، في التخلي عن صلاحياته كرئيس للوزراء، وعن صلاحيات مجلس الوزراء للمكون العسكري في مجلس السيادة، الذي تحول من وضع تشريفي إلى سلطة تنفيذية تمسك بملفات مفتاحية، من قبيل، الأمن والشرطة والجيش، والسلام، والسياسة الخارجية، وبعض المفاصل المهمة في الاقتصاد الوطني، وتعرقل تنفيذ برامج وشعارات الثورة.
لقد انتهك الدكتور عبدالله حمدوك نفسه الوثيقة الدستورية، الأمر الذي تعزز بممارسات مماثلة من قبل المكون العسكري، عندما تخلى عن السياسة الاقتصادية المقترحة من تحالف قوى الحرية والتغيير، بجانب توصيات المؤتمر الاقتصادي لصالح برنامجه الخاص، القائم على الاقتصاد الحر، والمتماهي مع سياسات الصندوق والبنك الدوليين.
ويعود لخيارات حمدوك، سواء المتعلقة بالاقتصاد الحر أو بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، بشكل خاص، الدور الملموس في التشظي الذي تشهده الساحة السياسية، وصراع مكوناتها، حول الموقف من سياسات رئيس الوزراء، والذي يتراوح ما بين الدعوة لإصلاح السياسات، أو تغيير الطاقم الاقتصادي لحمدوك، وما بين الدعوة لإسقاط الحكم الانتقالي، بمكونيه المدني والعسكري. وقد رافقت هذه الانقسامات تحركات عديدة في الشارع للتعبير عن رفض خيارات حمدوك الاقتصادية، التي فاقمت التردي في الأوضاع المعيشية للمواطنين، وكشفت التدهور المريع في شعبية الحكم، وانحداره نحو العزلة.
إن فشل حكومة حمدوك في تقديم معالجات سريعة وعاجلة لأزمات البلاد الملحة، ممثلة في السلام والأمن والاقتصاد، والأزمة الصحية (كوفيد-١٩)، قد أصبح مهدداً لاستقرار البلاد، وهو الأمر الذي تنبغي مواجهته بأعلى مستوى من الجدية والمسؤولية. ويقتضي، ذلك، ابتداء، التقيد بالوثيقة الدستورية، من قبل مكوني السلطة الانتقالية.
إن القول بعطب الوثيقة لا يبرر تمزيقها والخروج عليها، وإنما يصلح منطلقاً لإصلاحها وتنقيحها وفق أحكامها. ومن ثم إصلاح الشراكة الثنائية من منطلق التمسك بها، باعتبارها أداة إنجاز مهام الفترة الانتقالية. والتمسك، كذلك بوحدة قوى الثورة، في إطار تحالف قوى الحرية والتغيير. لقد بذلت جهود منسقة ومكثفة، طوال العامين الماضيين من أجل أبلسة تحالف قوى الحرية والتغيير، وتحميله كافة إخفاقات وقصور الحكم الانتقالي، توطئة للإجهاز على التحالف.
وتعددت الدعوات وتنوعت، وتزايدت في الآونة الأخيرة تحت مسمى إصلاح التحالف، أو حتى إيجاد بديل له. ولعل مبادرة السيد رئيس الوزراء، تمثل، بشكل أو آخر، تتويجاً لتلك الدعوات والحركات الموازية لها، أو أنها تستثمر في ذلك الجو المريب، الذي تشارك في صناعته قوى الردة بنصيب الأسد، بالقفز من أزمة الحكم إلى أزمة الحاضنة السياسية الافتراضية، للحكم. إذ إن معالجة أوضاع قوى الثورة لا ينبغي أن تغطي على أولوية معالجة أوضاع الحكم الانتقالي، بمكونيه العسكري والمدني، برده إلى صراط الوثائق المؤسسة للشراكة ونهجها القويم، واستكمال بنيان السلطة الانتقالية بقيام المجلس التشريعي والمفوضيات والمحكمة الدستورية … إلخ.
من نافلة القول، إنه لا بديل لتحالف قوى الحرية والتغيير، سوى تحالف قوى الحرية والتغيير. فالتحالف، الذي يحوز وضعه المتميز داخل الفترة الانتقالية، كشريك لا غنى عنه، هو أحد الطرفين الموقعين على الوثيقة الدستورية. ولذلك، فإن الخيار المتاح، في إطار الشراكة الثنائية بين المكونين المدني والعسكري، المؤسسة على الوثيقة هو إصلاح التحالف من داخله، ومبادرة من مكوناته، وليس من خارجه، ومن مواقع السلطة تحديداً، وليس هدمه فوق رؤوس الجميع، ومن ثم هدم المرحلة الانتقالية برمتها. فإلغاء تحالف قوى الحرية والتغيير، لصالح بديل يتناسب مع تحولات السلطة الانتقالية، ونزوعها نحو الاستبداد، يعني إلغاء الشراكة، ووضع البلاد أمام عتبة المجهول.

تعليقات
Loading...
%d مدونون معجبون بهذه: