بتول المسلمي تكتب.. هَزائِمُ أخلاقيَّة !

0 211

 

بتول المسلمي

“يستطيع المرء في الفقر أن يظل محافظًا على نبل عواطفه الفطرية، أما في البؤس فلا يستطيع ذلك يوماً”. ديستوفيسكي في روايته (الجريمة و العقاب).

جريمة أخرى في الأردن، بحق مراهق يبلغ ستة عشر عاماً، فُقئت عيناه وبُترت يداه، تلتها جريمة في القاهرة في شارع المعادي، حيث قُتلت الضحية بعد مقاومتها سرقة حقيبتها وسُحلت في الشارع.

سبقتها جريمة اغتصاب وقتل للطفل (عدنان)، كانت جريمة مأساوية هزّت مدينة طنجة شمالي المغرب.

سبقتها جرائم كثيرة، أكثر صدمة وفظاعة، في أوقات متقاربة خلال الأشهر الماضية.

يؤكد مؤشر الجريمة في العالم للعام 2019، أن الدول العربية من أعلى البلدان خطورة من حيث ارتكاب الجريمة.
واهمٌ من يظن أنها جرائم فردية ومتفرقة، سيعاقب مرتكبوها ثم تُنسى.

بل ستَنخرُ عميقاً في جسد المجتمعات المتهالك أصلاً؛ ليست موجة افتعلها حجر نجح أن يلفت إنتباهنا للدوائر التي صنعتها في الماء، بل هو إعصار عاتٍ ينهار أمامه أيّ تماسك إجتماعي.

Advertisement

هذه الجرائم في بلادنا العربية، ماهي إلا إنعكاس لجرائم أكثر عمقاً تقوم بها الحكومات ضد المواطنين.

ينشأ المواطن في بلده ذليلاً، جائعا،ً فقيراً وجاهلاً، يجد البؤس في كل مكان؛ تحصد الحروب الأهلية أرواح من حوله، وتأكل السجون والمعتقلات السياسية عمره إن اعترض أو لم يفعل.

ليس الإنسان في هذه البلاد إلا أداة تستخدمها الحكومات، لتفعل ما تريد.

ينشأ العربي طفلاً في بيئة مشحونة بالكبت الأسري وهو بدوره انعكاس للكبت السياسي. ومراهقاً يبحث عن شخصية يرتمي تحت ظلها، ولا يُسمح له بامتلاك شخصية مستقلة كما تروم الفطرة الإنسانية.

وشابا يشهد المواطن العربي وأد أحلامه وقبر كل أمل قد يتراءى له رغم الواقع المأزوم، ثم كهلاً يرى مشاريعه التي أفنى عمره في تصورها تحترق أمام عينيه، يراقب دخانها يختفي مع أيام الشباب التي راحت هدراً.

وعجوزاً يعيد الذكرى المأساوية ذاتها على الجيل الجديد، يائساً ينتظر أن يقبر جسده بعد أن تفارقه الروح.

يصبح العنف جزءً أصيلاً من حياتنا ومعاملاتنا اليومية، ما يسبب تشوّهاً واضحاً في التركيب النفسي للناس؛ إذ يجعلهم أكثر إستعداداً لارتكاب الجرائم وبأكثر الطرق وحشية والتي لا تخطر على بال.

هذا هو الواقع البائس الذي نعيشه يومياً. كانت الثورات العربية حيلة للفكاك من أنيابه الطاحنة، لكن توالت عليها ضربات الهزيمة هي الأخرى.

لست بصدد تبرئة مجرم أقدم على ارتكاب جريمة بشعة وصادمة، فللإنسان أن يقاوم كل ظلم يقع عليه، لا أن يُسقط ما يحدث له على الآخرين.
إن الحب والخير والجمال ليست مجرّد قيم، بل حاجة ملحة لأن تكون أسسا لحياتنا ولمجتمعاتنا، عسى ولعلّ أن تنقذ العالم.
حتماً ستفعلها، ستنقذ العالم من هذه الهزائم الأخلاقية.

Advertisement

تعليقات
Loading...