أحمد زين يكتب.. التطبيع وغياب الشفافية

62
أحمد زين

خلال الأسبوع المنصرم، أستطاعت الحكومة الانتقالية تحقيق نجاح كبير في السياسة الخارجية للدولة، بعد قرار الإدارة الأمريكية رفع أسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وهو انجاز تستحق الحكومة عليه الإشادة، أيضاً بدء تطبيع العلاقات مع دولة إسرائيل، يُعتبر اختراق مهم في إنهاء عُزلة دوليّة استمرت لسنين طويلة وإن كان عليه بعض الخلافات.

ولكن ما قلّل من هذه الانجازات هو عدم وضوح الحكومة في هذه الملفات، وعدم تمليك الرأي العام للحقائق كاملة، وإخفاء بعضها عن عمد خشية ردود الأفعال الرافضة، أو لتقديراتٍ تخصّ السُلطة التنفيذية والسيادية، جعلتها تظهر بهذا الشكل المُراوغ، منذ لقاء (عنتبى) مروراً بلقاء (أبوظبي) ووصولاً لتغريدة (ترامب) والمكالمة الرباعية.

خلال كلّ هذه المُدّة أصرّت الحكومة على أنّ ملف التطبيع منفصلٌ تماماً عن ملف قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما اتضح عدم صحته بعد ذلك.

كذلك الإعلان عن الإتفاق على بدء علاقاتٍ مع إسرائيل، كان فيه كثيراً من التباطؤ، على عكس قرار رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والذي لقي ترحيباً سريعاً من شقي السُلطة التنفيذية والسيادية، وهو ما يكشف عن حالة الهروب المُتعمّد من مواجهة الرأي العام، بنتائج ملف التطبيع، والذي كان يُمكن أن يُدار بطريقة أفضل، تؤسس لثقافة جديدة في إدارة الدولة، تكون فيها الشفافية هي السّمة المُميزة لتعامل السُلطات مع الجماهير، إذا كنّا نحلم بترسيخ تجربة ديمقراطية مستديمة.

ولكن قبل أن نرمي باللوم على الحكومة، يجب أن نعلم أنّ توطين الشفافية كمبدأ في النظام السياسي عمليّة لاتحدث بين ليلة وضحاها، ولا تكون خاضعة للقرارات السياسية – وإن كانت مطلوبة – لتحويلها لثقافةٍ عامة داخل أروقة الدولة ومؤسساتها، فهي عمليّةُ بناء طويلة وشاقة، تبدأ من المستوى القاعدي حتى تصل إلى مؤسسات الدولة وأجهزتها، فالوعي بحقّ المواطنين في امتلاك المعلومات وجعلها متاحة هو بداية الطريق في ترسيخ مبدأ الشفافية، لأنّ الوعي تعقبه مطالبة وسعي ونضال، يُرسّخ رويداً رويداً لثقافة عامة تنتشر في كل مؤسسات المجتمع، ويُحصّن هذا الحقّ مستقبلاً من ايّ تغوّل أو انتهاك.

كذلك مهنية واحترافية أجهزة الإعلام والصحافة عاملٌ مهمٌ وحاسم في طريق ترسيخ الديمقراطية وثقافة الحقوق، بكشفها للحقائق ونشر المعلومة والخبر للناس.

وطبعاً لابدّ من توافر إرادة سياسية فعليّة لمُمارسة سياسية رشيدة، ونموزج ديمقراطي حقيقي.

تتكامل هذه العوامل لتحقيق تجربة ديمقراطية عميقة، تبدأ بالوعي وتحرُسُها الرقابة الشعبية والمدنية .

في فيلمه الرائع (ذا بوست) يكشف لنا المخرج الأمريكي (ستيفن سبيلبرغ) عن جزء من معارك بناء الديمقراطية في أمريكا، وتحويل الحقوق بالنضال والعمل، لثوابت لا يُمكن مصادرتها مهما تغيرت الأنظمة السياسية.

الفيلم يحكي قصةَ الصراع الشهير بين الرئيس الأمريكي (ريتشارد نيكسون) والصحافة الأمريكية حول وثائق وزارة الدفاع المتعلقة بالحرب على فيتنام، المعروفة (بأوراق البنتاغون) ، فبعد أن نجح (نيكسون) في إصدار تقييد قضائي ضد صحيفة (نيويورك تايمز) بسبب نشرها جزءً من هذه الوثائق، قرّرت (واشنطن بوست) نشرها هي كذلك دفاعاً عن حقّ الناس في امتلاك المعلومة، ودفاعاً عن حريّة التعبير مهما كلف الأمر، ليطلق رئيس تحريرها آنذاك (بن برادلي) مقولته الشهيرة “أنا لا أعرف شيئاً يسمى (غير صالح للنشر)”، فيتبعه في ذلك عدد من الصحف الأميركية، حتى أصدرت المحكمة العليا حكماً بعدم وجود سُلطة للحكومة تمنع نشر هذه الوثائق، وقد رُفعت السّريّة عن هذه الوثائق بشكل كامل في العام (2011) وأصبحت متاحة للجميع.

هذا الصراع انتهى بفقدان (نيسكون) لمنصبه بعدها، نتيجة ضغط شعبيّ كبير قادته أجهزة الإعلام في قضية (ووتر غيت) ولكن المكسب الكبير كان هو ترسيخ مبدأ الشفافية وحقّ امتلاك المعلومات وتوعية المجتمع بحقوقه ودفعة للنضال من أجلها، وهي عملية استمرت زُهاء نصف القرن حتى وصلت أمريكا لتجربة ديمقراطية حقيقية، تختلف فيها سياسات الأنظمة الحاكمة وتظلّ الحقوق بلا أدنى تغوّل أو مساس، وهو درس يجب أن نعيه تماماً، حتى نستطيع بناء تجربتنا الديمقراطية وترسيخها في مؤسسات المجمتع وفي وعي الناس.

تعليقات
Loading...