سلمى التجاني تكتب.. أمريكا .. أم العروس !

136
سلمى التجاني

 لا يمكننا النظر لما جرى مؤخراً بمعسكر كلما – جنوب دارفور كحدثٍ اعتباطي ، بل كان حلقة من عملية دقيقة بدأ الترتيب لها منذ فترة وستكون نهايتها رفع العقوبات الأمريكية عن السودان ليتم استقباله بعد ذلك عضواً باراً في النادي الدولي كأحد الدول التي تمت إعادة صياغتها وفقاً لشروط الإستعمار الجديد ، في نسخةٍ حديثة لتحالف الدكتاتوريات مع الإمبريالية الأمريكية .

بدأت العملية بهدوء ، تقاطعت فيها السياسة الداخلية الأمريكية التي إتجهت لتقليل الصرف على بعثات حفظ السلام في العالم وسياستها الخارجية حول مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية لتلتقي مع مصالح الحكومة السودانية .

فلكي يتم تنفيذ مهمة تقليص القوات المشاركة لحفظ السلام بدارفو – يوناميد ، كان لا بد من إنهاء الحرب بدارفور ، وتحقيق السلام هو أحد الشروط الأمريكية لرفع العقوبات عن السودان ، فبدأ الترويج لخلو دارفور من التمرد إلا في منطقةٍ واحدة ، كما ورد في تقرير خبراء الأمم المتحدة في يناير الماضي ، وخلو دارفور من التمرد ليست فقط لنجاح الحكومة في إضعاف الحركات المقاتلة هناك ، ولكن لأن هذه الحركات نفسها ، وفقاً للتقرير نفسه ، أصبحت منشغلة بنشاطاتٍ أخرى تتمثل في الإتجار بالبشر والمخدرات والنهب والسلب ، إضافة لتحولها لقواتٍ مرتزقة تحارب في جنوب السودان وليبيا .

ثم جاء تقرير خبراء الأمم المتحدة بليبيا في يونيو الماضي ليؤكد ما ورد في تقرير يناير ويضيف عليه أن تقارير أظهرت أنه لبعض فصائل دارفور المقاتلة بليبيا علاقاتٍ وثيقة مع جماعاتٍ إرهابية هناك ، وأن هذه الفصائل تهدد السلام بدارفور والمنطقة . يُقرأ تقريرا الأمم المتحدة في سياقٍ مفاده أن هذه الحركات لم تعد مؤهلةً لتصبح شريكاً في السلام بالسودان ، لأنها هي نفسها تهدد الإستقرار في السودان والمنطقة .

Advertisement

بعدها جاء تقرير مجلس الأمن في أغسطس الماضي داعماً لإتجاه إدانة الفصائل المقاتلة بدارفور . تخلَّل هذه الخطوات حركة محمومة من قبل مسئولين أمريكيين للملمة مسار التفاوض حول القضية دارفور ، مع تبني موقف الحكومة الرافض لإجراء أي تعديلات على وثيقة الدوحة للسلام ، فبعد أن تأخر انعقاد مفاوضات اتلانتا والتي جاءت بطلبٍ من الخارجية الأمريكية عبر مركز كارتر للسلام ، لجأت الإدارة الأمريكية للبحث عن نافذة تستطيع عبرها التعامل المباشر مع حركات دارفور فكان لقاء باريس في الأول من هذا الشهر ، وقد تحدثت بعض الصحف عن تفاهمات تمت بين هذه الفصائل ومسئول أمريكي رفيع ، من شأنها التمهيد للعودة لطاولة التفاوض وفقاً لوثيقة الدوحة .

على صعيد الحركة الشعبية شمال ، بدأ هذا الإتجاه الإمريكي الجديد في الظهور مع تصريحات دونالد بوث المبعوث الأمريكي السابق للسودان وجنوب السودان ، في يناير الماضي ، عندما غضب من مطالبة الحركة الشعبية ( قبل الإنقسام ) بإجراء تعديلات على المقترح الأمريكي المتعلق بتوصيل الإغاثة لمناطق الحرب بجبال النوبة ، فشن بوث حملة شعواء على قادة الحركة الشعبية والحركات المسلحة الأخرى واصفاً إياها بترجيح مطامحها الشخصية على مصلحة الشعب ، داعياً المجتمع اادولي للتعامل معها بحذر .

لم يتعامل المجتمع الدولي مع الحركة الشعبية بحذرٍ فقط ، بل تجاهل الصراع الذي دار بداخلها واكتفى بانحيازه للفصيل الذي وصفته الحكومة بأنه قادرٌ على تنفيذ اي إتفاق مستقبلي لأنه يمتلك السلاح ، فقد صرح سفير النرويج بالخرطوم منتصف هذا الشهر ، بأن الوساطة ستعتمد فصيل الفريق عبدالعزيز الحلو كمفاوض عن الحركة الشعبية شمال . والآن الوساطة تنتظر هذا الفصيل حتى يعقد مؤتمره لتستأنف التفاوض .

تعامل الإدارة الأمريكية مع قضية السلام يبدو واضحاً بأنه ( تمامة جرتق ) ، فقضية محاربة الإرهاب هي أولى أولوياتها ، وكونها تنجح في مواصلة وتوسيع التعاون مع السودان في هذا الملف ، يعتبر بحساباتها مكسباً أكبر من تحقيق السلام في بلدٍ من القارة الإفريقية التي اعتادت شعوبها على الموت والحروب .

وبالنسبة للسودان فهو يستثمر في ملفٍ خبره منذ اكثر من عشرين عاماً ، يلم بخيوطه ويدرك كيف تعمل آلة صنع الإرهاب والإرهابيين عبر علاقاتٍ متشابكة مع هذه الجماعات حول العالم ، فهذه هي لعبته التي يجيدها وميدانه الذي يبرع فيه . فإن كانت هذه اللعبة سترفع عنه سخط الدول الكبرى وتغض بصرها عنه إذن المحصلة النهائية هي (win -win ) .

بالعودة لأحداث معسكر كلما الأخيرة ، فإن دول الإستعمار الجديد وعلى رأسها أمريكا ، وبعد أن قطعت شوطاً في تنظيف الملعب الداخلي للحكومة ، لا بأس إن أظهرت الحكومةٍ كنظامٍ قادرٍ على حفظ الأمن والسلام بدارفور ، ومتحكم في معاقل حركات ( التمرد ) بمعسكرات النازحين ، وبذلك تنتهي أسطورة معسكر كلمة الذي ظل منذ بداية الحرب بدارفور عصي على الدخول والتفكيك ، وتنتهي معه فكرة وجود مؤيدين للحركات في دارفور ، فالتمرد ، كما ادعى تقرير الأمم المتحدة السابق ذكره ، قد انتهى هناك ، وكل شيئ تمام التمام .

Advertisement

تعليقات
Loading...