خالد عمر.. يكتب: لماذا سننتصر ؟

خالد عمر – الأمين العام للمؤتمر السوداني 

شاهدت قبل أيام تسجيلاً وجد حظه من الإنتشار في وسائل التواصل الإلكتروني إختار معدوه له اسم “هل نحن نسير في الطريق الصحيح ؟” .. التسجيل المصور الذي انتجته إذاعة الثورة السودانية يتناول أحداث الثورة منذ إنطلاقها في 13 ديسمبر ويرصد التحولات في مواقف النظام والتراكم في الحراك النوعي والكمي في الشارع، كما يعرج لخارطة طريق نابهة للمستقبل، كل هذا في قالب خفيف وذكي ومبدع بصورة ترفع لها القبعات. من أكثر المشاهد التي شدت إنتباهي كان مقاربة ذكية لمشهدين للفنان المبدع فضل أيوب أحدهما قبل الثورة وهو يبكي في حسرة على حال الوطن أثناء آداءه لأغنية وطنية والآخر لفضل أيوب ذاته وهو يغني للمعتصمين بميدان الرابطة بشمبات والإبتسامة والرضا تغمر محياه وأرواح المعتصمين التي ترفرف من حوله في خفة وظرف لا تستطيع أن تقاوم الإبتسام والإرتياح وأنت تشاهده. أول ما عن لي حين مشاهدة هذا التسجيل أننا سننتصر .. ولكن لماذا سننتصر ؟؟

سننتصر لأننا موحدون .. استثمر النظام لثلاثة عقود في تفريقنا شيعاً وقبائل .. قسم الأحزاب والمجموعات المهنية والمدنية والإجتماعية .. قسم القبائل والعشائر والجماعات الثقافية .. قسم الجيش والقوات النظامية والمليشيات .. انقسمت الأندية الرياضية والمجموعات الغنائية والمسرحية .. صارت بلادنا ميداناً لحرب الكل ضد الكل .. الكل يوجه سيوفه وسهامه ورصاص كلماته لكل شخص عداه ويستثني في غمرة معارك الدرجة الثانية هذه النظام .. رأس الحية التي خربت البلاد ودمرتها، والآن قلبت 13 ديسمبر الموازين وعدلت مسارها .. توحدت قوى التغيير .. تجمعت كلمة الناس حول “تسقط بس” .. صار الناس يتندرون عن عدم جواز الخروج عن الصف إلا لماماً .. سعى النظام لممارسة بعض الألاعيب للعبث بهذه الوحدة ولكنها تكسرت جميعاً تحت أقدام ما رسخته ثورة ديسمبر المجيدة.


سننتصر لأننا منظمون .. استدعى التسجيل الذي أشرت له في مقدمة المقال رائعة بادي محمد الطيب ” مرفعينين ضبلان وهازل .. شقو بطن الأسد المنازل .. نبقى حزمة كفانا المهازل” والفرق واضح وبائن فالنظام ليس بالأسد المنازل ولا الثوار “مرافعين ضبلانة وهازلة” فما بالك بهم اذا تجمعوا وتنظموا. شهدت الفترة الماضية نهوضاً تنظيمياً كبيراً، توسعت المجموعات المهنية بشكل كبير وجمعت الناس في مؤسساتهم حول قضايا مطلبية وسياسية .. تكونت مجموعات المدن والقرى والأحياء وضمت فاعلين جدد من جيل وثاب بنى على ما تأخر من تراكم نضالي وطوره فصرنا نرى مواكب الأحياء بأعلامها ومكبرات صوتها وأهازيجها تقف دليلاً على تنظيمات قاعدية راسخة لا يمكن حصارها وتفتيتها .. لعبت الأحزاب كذلك دوراً مهماً فهي على الرغم مما نالها من عسف وسوء كيل لثلاثين عاماً اجتهد فيها النظام لتحطيمها إلا أنها حافظت على “عضم ضهر” متين سهل من عملية التنسيق والترتيب والتنظيم لكيانات وجماعات أوسع. التنظيم هو مفتاح وطريق نصرنا الأكيد.

سننتصر لأننا منفتحون .. لأن الإقصاء لا يعرف طريقه إلى صفوفنا فنحن ثرنا ضده .. هي ثورة اليسار واليمين والوسط .. ثورة الهامش والحضر .. ثورة القرى والمدن .. ثورة النساء والرجال والشباب والشيوخ. هذه ليست ثورة تستطيع جهة ما أن تنسبها لها .. لا قائد فيها بل جميع الناس جنود يتعبدون في محراب الوطن “سيد نفسك مين أسيادك” .. هذه ثورة لتضميد الجراح ولإنهاء عقود من الإقتتال، قسمنا فيها وطناً كبيراً يسع الجميع، قسمه من ظنوا بأن بإمكانهم تفصيله ليضيق بضيق أفقهم وأفكارهم وشح أنفسهم ورغبتهم في الإستئثار بكل شيء طول الوقت، وإذ يتفكك مشروع الإقصاء هذا فإن البديل هو أن يرى كل منا وجهه ومصالحه تتحقق في مرآة الوطن الواسع. مخطيء من يظن بأن النظام سيسقط لصالح مشروع ضيق آخر ومخطيء أيضاً من يظن أن لعب دور الضحية سيجعله يحافظ على ذات ضيق الوقت الراهن أو أن هذه الثورة ستجير لصالح مكاسب محدودة لا تغير بنية النظام جذرياً وتفككها لصالح بناء جديد.

سننتصر لأننا أحسنا ترتيب الأولويات .. هتفنا حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب .. لأننا نعلم أن لا خير يرجى من ثورة لا توقف الحرب ولا تجلب السلام العادل الشامل الذي ينهي المظالم التاريخية التي حاقت بإنسان الهامش السوداني ومزقت حياته بين الكراكير ومعسكرات اللجوء والنزوح والخنادق التي يأمل أن تأويه من بطش الأنتنوف .. سلام يعيد تركيب الدولة السودانية على أساس جديد لا هيمنة فيه ولا إقصاء ولا تمييز .. سلام لا يضحي بالعدالة بل يقوم على قاعدة المحاسبة لكل من أجرم ولإحقاق عدالة شاملة لا تساوي في الحقوق والواجبات فحسب بل في الفرص لكل من يولد أينما كان .. عدالة توزع موارد البلاد لصالح الجميع لا لصالح نخب شرهة امتصت دماء الشعب وثرواته .. عدالة تعيد تشكيل مؤسسات القضاء والأمن لتحفظ المجتمع ومصالحه ولا توظف لصالح النظام وأقليته الحاكمة … كل هذا يقوم على قاعدة الحرية .. الحرية من الفقر والجهل والمرض .. حرية الرأي والضمير والتنظيم والتعبير .. حرية تقف عند حدود حرية الآخرين ولا تعتدي عليها .. حرية عادلة تساوي بين الجميع وتكون لا غاية لذاتها فحسب بل أداة للتنمية الشاملة ولحفظ السلام العادل ولبناء وطن جديد على أنقاض ما خربته العقود الماضية.

سننتصر لا محالة .. سننتصر بالعمل ليس بمحض القول، سننتصر حينما نعلم ونوقن بأن لا خيار سوى النصر وأن مصيرنا نحدده بأيدينا ولا تقوم به فئة بالإنابة عنا. سننتصر بالوعي بأن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا وأن ما يفرقنا هو ما سكتنا عنه وأن تسليط الضوء عليه ليس بغرض بث الفرقة وبناء جدران تحول بين بعضنا البعض بل بغرض أن لا يعود الماضي مرة أخرى كمأساة وكملهاة. الماضي فيه دروس وعبر ننظر لها لا لإستعادة عصر تليد أو للعن الظلام عوضاً عن إيقاد الشموع .. ننظر له قليلاً وغالب بصرنا مسدد نحو المستقبل .. نحو الغد الأجمل والأفضل والأبهى دون شك .. ما يدفعنا للتمسك بالحياة هو أمل لم ينقطع بأن لنا قدرة هزيمة بؤس الزمن وبناء بلاد النور .. ها هي خيوط فجرها تتسلل ونسماته تنعش الصدور فهيا إلى الغد وإلى ذلك الحين سنظل مستمسكين بحب لم يتزعزع لهذه البلاد وناسها وترابها وكل حركة وسكنة فيها، فالغد للحب لا للكراهية وللبناء لا للتدمير وللغناء لا للنعيق.

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Loading...