قدرة الفن على تحويل وحشية الحرب و التهميش

0 85
الجماهير: وكالات

 

يعتبر هذا التقرير بمثابة درس يتضمن خمسة فصول يسلط الضوء على مدى قدرة التصميم على تحويل الأحياء التي سحقتها ومزقتها الحرب والتهميش والفقر والمخدرات، إلى أماكن مختلفةفقد غيرت الألوان مدينة ميديلين، وريو دي جانيرو فضلا عن جوهانسبورغ.

ريو دي جانيرو (البرازيل)


كان مورثيو آرا نجل تاجر مخدرات سابق، كبُر وترعرع في حي فقير. وشاءت الظروف أن يعيش حياة معقدة. لكن، ولحسن الحظ ساهمت هواية التصوير في تغيير مسار حياته بأعجوبة. وفي هذا السياق، صرح الشاب آرا قائلا: “كنت أمتلك ألة تصوير، كاميرا. لم تكن محط ريبة من قبل الشرطة ولا حتى من قبل تجار المخدرات. لقد عشت لسنوات طويلة على اعتباري مصورا وقاطع طرق على حد السواء. كنت في الغالب ألتقط الصور خلسة”. كان مورثيو آرا يتحدث من فوق سطح كاسا أراميلا، المشروع الاجتماعي الذي يعتبره مبعث فخر له، كما هو الشأن بالنسبة لسكان منطقة بروفيدنسيا، الحي الشعبي الأول بامتياز في البرازيل.

مع مرور الوقت، وصلت صور ا مورثيو آرا لنابضة بالحياة، التي تتدفق بين الأزقة وميناء ريو دي جانيرو، إلى باريس. وفي سنة 2005، تمكنت إحدى لوحاته المعروضة في إحدى محطات المترو من جلب انتباه الفنان الفرنسي الشاب، جونيور، الذي أعجب كثيرا بالقوة البصرية للفافيلا، المعروف أيضا باسم الحي العشوائي. وقرر جونيور إثر ذلك القيام بأهم أعماله في ذلك المكان. ويجسد العمل الاستثنائي لهذا الفنان مجموعة صور تخص 32 متساكنا من منطقة بروفيدنسيا، قام جونيور برسم وجوههم في حجم عملاق على العديد من المنازل المصنوعة من الطوب. في الواقع، عادة ما يشعر الناظر إلى هذه المباني بتأثير منوم.

أدى التبادل الفني بين المصور المحلي والأجنبي إلى إنشاء مبنى كاسا أراميلا. وفي هذا الصدد، أفاد موريسيو، رئيس هذا المركز، أنه “على الرغم من وجود العديد من الأطفال في المدرسة، إلا أن معظمهم كانوا أمّيين من الناحية الوظيفية. بالنسبة لنا في هذا المركز، لم تكن الأولوية لصالح ورش التصوير، لقد كان هناك أمر أهم من ذلك بكثير، ألا وهو تلقين الأطفال القراءة”. وفي ظل وجود نحو 3000 كتاب في المكتبة وفصول تعليم اللغات والمسرح واليوغا والكابويرا، أصبح هذا المركز يكتسي رمزية كبيرة بالنسبة للمتساكنين، وأيضا الغرباء. ويعزى الفضل في ذلك إلى هيكله الخارجي الذي اتخذ شكل قمر بارز مثبت فوق السطح.

قرية كفر الغاب (مصر)

تعتبر قرية كفر الغاب، واحدة من البلدات، مجهولة المعالم، في شمال مصر. وتعد كفر الغاب قرية هادئة ومتواضعة جدا يقطنها مجموعة من المزارعين. وسرعان ما أخذ الفن ينبثق من صميم جدرانها الجرداء. وفي هذا الصدد، استحضر الشاب محمد الشهاوي، أحد متساكني كفر الغاب الذين أشعلوا الثورة التي غيرت معالم هذه البلدة الفقيرة، بعض الذكريات، حيث قال: “كنا نرغب في القيام بأي شيء في سبيل تغيير مظهر البلدة”. وأضاف الشهاوي، أنه “في القديم، عندما تتجول في هذه المنطقة، لا ترى سوى جدران بالية ومن دون بلاط”.

شهدت هذه القرية تحولا جذريا وإعادة هيكلة منذ صائفتين تقريبا، وتحديدا قبل شهر رمضان الكريم. آنذاك، قدم مجموعة من الشباب المختصين في فن الجرافيتي إلى بلدة كفر الغاب، وكانوا على استعداد لتغيير مظهر هذه المنطقة. وقد أشرف رسام الجرافيتي الشهير، أحمد جابر الملقب “بنيمو”، على هذه المبادرة. وفي هذا الصدد، أفاد أحمد جابر، قائلا:” لقد جمعت كل زملائي من الرسامين الذين قدموا من القاهرة والإسكندرية والعديد من المدن الأخرى، وقضينا حوالي أسبوع في هذه القرية”.

منذ الوهلة الأولى، أدى الظهور المفاجئ لهذا الفيلق من الرسامين إلى حالة من الارتباك العام في المنطقة. وفي هذا السياق، صرح أحمد جابر، المشرف على مجموعة الرسامين، قائلا: “تفاجأ المتساكنون كثيرا وسألونا عن سبب رغبتنا في الرسم على جدرانهم. آنذاك قررنا التوقف والحديث معهم. وحين رأى السكان هذه الرسومات تغير كل شيء، وأرادوا منا البقاء لفترة أطول”. عند السير بين شوارع هذه البلدة، تستقبلك الجدران المغطاة بوجه شارلي شابلن المثير للضحك، أو بعض الشعارات الممجدة للسعادة التي تبعث الأمل في النفوس، في أرض لا يحلم فيها الشباب سوى بالسفر إلى أوروبا. وعلى إحدى الجدران، لفتت انتباهنا إحدى الكتابات التي تحث الشباب على تحقيق أحلامهم، ومفادها: “حلمك مُلكك”.

مدينة ميديلين (كولومبيا)

أصبحت مدينة ميدلين رمزا لكولومبيا الجديدة. فقد تحولت المدينة من مركز لتجارة المخدرات خلال فترة بابلو اسكوبار، أشهر تاجر مخدرات في المافيا الكولومبية، اليوم إلى مدينة حديثة معترف بها دوليا، بفضل بنيتها التحتية القوية ومدى التزامها بالابتكار والثقافة. في الواقع، باتت عاصمة مقاطعة أنتيوكيا تمثل رمزا وشعارا بالنسبة للسياح، خاصة إثر توقيع اتفاق السلام التاريخي في أواخر سنة 2016، الذي تم التوصل إليه بعد أكثر من نصف قرن من الصراع، بين الحكومة ومقاتلي القوات المسلحة الثورية الكولومبية.

في الواقع، تعد البلدة 13 أفضل مثال على التغيير الذي شهدته المدينة. وبفضل فن الراب والجرافيتي، بقيادة كاسا كولاتشو، تحققت عملية الاندماج الاجتماعي. وقد عملت جمعية كاسا كولاتشو على تقديم ورشات عمل مجانية لأكثر من 4000 شاب خلال العقد الماضي في هذا المجال. وفي هذا الصدد، أورد مدير المشروع ومغني الراب في مجموعة سي15، إيم جيهكو ، أن “فن الهيب هوب قد أنقذ حياتنا. وفي الوقت الراهن، يتمثل هدفنا في دعم التنمية في المنطقة من خلال روح المبادرة والنشاط المجتمعي”.

نتيجة لذاك، بات من الممكن استكشاف هذا المكان، الذي كان من أخطر وأكثر المناطق المحظورة. وتقع البلدة 13 تحديدا في غرب ميدلين، وتضم حوالي 31 حيا و150 ألف ساكن. وقد ازدهرت البلدة من خلال فن الجرافيتي. في المقابل، تتطلب مشاهدة هذه الصور جولة مدتها ثلاث ساعات، تحت إشراف فناني كاسا كولاتشو. وتنطلق هذه الجولة من محطة مترو الأنفاق سان خافيير، مرورا بمحيط البلدية، وتتوقف عند مصاعدها الأيقونية الميكانيكية، كما تتضمن زيارة للمقبرة، التي تعد مكانا مقدسا ومصدرا للذاكرة التاريخية. وتنتهي هذه الجولة عند المقر الجماعي، حيث يتم تقديم دروس في فن الجرافيتي.

 

جوهانسبرغ (جنوب أفريقيا)

يعكس الافتتاح الأخير لمتحف زيتز موكا للفنون المعاصرة في مدينة كيب تاون عزم القائمين على هذا المكان على جعله بمثابة متحف الفن الحديث الأفريقي. وقد باتت جنوب أفريقيا، منطقة لا مثيل لها في القارة من حيث التخطيط الفني. ولعل أبرز دليل على ذلك الثورة الفنية التي شهدتها كل من أحياء برامفونتين، في مدينة جوهانسبرغ، وأحياء ودستوك في كيب تاون. فيما مضى، كانت هذه الأحياء المهمشة مركزا للصناعة، حيث تعيش الأسر العاملة من ذوي البشرة الداكنة في شقق متراصة ومكتظة بالسكان. أما اليوم، فقد تحولت هذه الأحياء إلى مناطق نابضة بالحياة والفن وفنون الطهي والعديد من الجوانب الإبداعية الأخرى. في الحقيقة، تزدان مباني وجدران هذه الأحياء الجديدة، التي تميل إلى الحداثة بالجرافيتي، في حين وتم إعادة تصميم الأماكن من الداخل لجعلها أكثر ملاءمة للعيش.

في كيب تاون، باتت “ذي أولد بيسكويت مييل”، ومركز ذي “ودستوك اكستشاينج” للتصميم والفن يمثلان مركز التحول الحداثي لمختلف أحياء ودستوك. وتجدر الإشارة إلى أن المكان الأول كان مصنعا في الماضي، ليتحول فيما بعد إلى مكان يحتضن كل يوم سبت مزيجا من المحلات التجارية المحلية والمعارض الفنية والمطاعم وأكشاك الطعام من جميع أنحاء العالم، فضلا عن الموسيقى الحية وجميع أنواع المشروبات. أما منطقة برامفونتينن، فتمثل مركزا فنيا في جوهانسبرغ منذ مطلع العقد الأخير. ومن المثير للاهتمام أن هذه الأحياء شبيهة بتلك التي في ودستوك، حيث كانت موقعا قديما، تعيش فيه الطبقة العاملة من ذوي البشرة السوداء خلال فترة الفصل العنصري. أما اليوم فقد أصبح يضم مجموعة من الفنادق الفاخرة والمعارض الفنية. وعادة ما تتوفر حقائب الظهر للمسافرين.

 

مدينة سانت بطرسبرغ (روسيا)

تعرف مدينة سانت بطرسبرغ بمدينة القياصرة والمباني الرائعة وقبابها الشبيهة بقباب مبنى الكرملين. لكن العديد من المناطق المجاورة تتسم بأحيائها التي تغشاها غمامة رمادية. وسرعان ما تسلل الفن إلى هذه المناطق، على غرار حي رزيفكا، حيث اكتسح التصميم والخيال المكان بفضل متحف فن الشارع في سانت بطرسبرغ، الذي يمثل فضاء مفتوحا ومهيأ يطمح لتحقيق معجزة مزدوجة. أولا الحفاظ على المنطقة وإظهار الأعمال الفنية التي تعتمد على الطلاء والبخاخات للعالم. وثانيا، إعادة الحياة إلى حي لم يُتوقع أبدا أنه سينجح في استقطاب السياح والصحفيين والمبدعين.

طالت هذه المعجزة الفنية، مصنع البلاستيك، سلوبلاست في سانت بطرسبرغ، الذي لا يزال نشطا إلى حد الآن، ويقع في شارع  ريفوليوتسي، 84. ففي الواقع، عمدت إدارة المتحف إلى دعوة فنانين روس وأيضا من الخارج ليضطلع بدور في صلب هذه المعجزة. ويمتد فن الشارع ليشمل حيطان وقاعات هذا المتحف، الذي يعمل على الحفاظ على هذا الإبداع. إلى جانب ذلك، يسمح هذا المتحف بالاطلاع على بعض أعمال فن الشارع، الخاصة برسام الجرافيتي الراحل بافل 18، المعروف باسم بانكسي الروسي. وبالتالي، بإمكان الزوار الاستمتاع بأعماله الفنية في هذا الفضاء الثقافي المفتوح، الذي يقع في المجمع الصناعي الواقع في ضواحي المدينة، حيث توقفت عديد المصانع عن العمل.

 

المصدر: الموندو

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...