البشير.. عَرّاب نفسه الجديد

0 101
عمر نور الدائم

 

بعد نحو ثلاثة عقود من حكمه، يُظهر الرئيس عمر البشير، الذي عمّده زعيم الحركة الإسلامية الراحل، د. حسن الترابي، كرئيس مؤقت عام 1989، عناداً استثنائياً للبقاء في الحكم، بحجة أنه أصبح عميداً للسودانيين، فهو الآن يُسوق على هذا النحو لتقديمه كمرشح شعبي لانتخابات 2020 المزمعة. 


البشير 73 عاماً، والذي يُعرف عنه الغضب العارم، والبساطة الفجة، لم يعد هو ذلكم الضابط الشاب المتحمس الذي تلى بيان الانقلاب، مدّعياً أنه جاء لإنقاذ البلاد، بل لم يعد هنالك رجلاً على الإطلاق منذ العقد الأخير يحمل هذا الصفة. 

فالبشير الذي عاش السنوات الثلاث الأولى من حكمه بشعور أنه رئيس مؤقت، وأنه يلعب دوراً محورياً، تجاه الدين والوطن، كانت قيادته وحتى بعد أن أتم عشر سنوات عام 1999 غير منظورة، إلا بعدما لقي نائبه الأسبق الزبير محمد صالح، مصرعه في حادثة تحطم طائرة، وفي أعقاب طرده للترابي بتحريض من الحركة الإسلامية، التي أوحت للبشير بأن الترابي على وشك التخلص منه دستورياً. 

أنهى البشير العشرية الأولى من حكمه، وقد تم تخليصه من سطوة الحاكم الفعلي، ما يعد أول انتصار فعلي لقيادته، وكانت المرة الثانية، التي ينتبه فيها السودانيون بشكل جدي لرئيسهم المهمش، وهذه المرة لاحظوا أيضاً أنه يقرأ بياناً ساخناً، بيان انقلابه الشخصي.

كان الجمهور والإعلام يردد اسم الترابي كثيراً، ثم يقول إن علي عثمان طه انقض على شيخه، وأخيراً يُذكر البشير، لقد كان هامشياً، وبدا له أن جميع الأعداء قد ذهبوا إلى الجحيم. 

بدأ البشير عشريته الثانية، وقد أفسح له العرّاب الجديد مساحة معتبرة من الحركة مقارنة بالعرّاب الأصلي، وأجرى له انتخابات صورية عام 2000 عمده فيها رئيساً تزامناً مع تدفق أموال البترول، وبدء انفتاح محدود مع المعارضات السياسية والمسلحة والمحيط الاقليمي والدولي، ومع خلو المسرح إلا من طه والبشير، صار الأخير أكثر قدرة على الحركة والمناورة بعدما اطمأن إلى أن الأول، ذو قادرة هائلة على نكران الذات، وإدارة كل من هم تحته بقدرة فائقة. 

مرّت حقبة طه والبشير الأولى، إلى حد إنجاز السلام الشامل في جنوب السودان بقدر كبير من الاحترام والثقة المتبادلة، وكان البشير فيها شريكاً أصيلاً في اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي للمرة الأولى، فيما حفلت الفترة الانتقالية بأوضاع مختلفة، لم يكن يوجد فيها صراع داخلي كبير، إلى أن أوقعت حرب دارفور البشير في براثن محكمة الجنايات الدولية، وحينها برز طه كمدافع شرس عن البشير، إلى أن استقل جنوب السودان في 9 يوليو 2011، بعدها وجد البشير نفسه، أنه قد تسبب بشكل أو آخر في ذهاب جزء من التراب السوداني، ووجد أنه محاصر، لكن طه قدم نفسه مرةً أخرى للبشير بعدما عاد نائباً أول له، بتدشين ما سماه وقتها الجمهورية الثانية، ليرفع الحرج عن البشير قليلاً، ونافخاً كذلك في صفاء البلاد الديني من بعد ذهاب جنوب السودان. 
لكن البشير الذي أبهره تدفق أموال البترول رغم الحصار الغربي، وملَّ توجيه الحركة الإسلامية له تغير للأبد، بخاصة بعدما تم انتخابه رئيساً عام 2010، وسط اعتراف دولي مقبول، بدا أكثر ميلاً للعسكريين والأمنيين، وقد تدفق الشعور إليه بقدرته على الحكم من دون حاجة إلى عرابين، بخاصة بعدما أعيد انتخابه في 2015، ولكن بنسبة مخيبة حيث تجاهل ملايين السودانيين الانتخابات، فقرر أن يحكم للمرة الأولى بعد 26 سنة من استيلائه على السلطة. 

ومع تغيير مستشاريه الجدد قواعد اللعبة، صار البشير يحكم ومعه جيش من الاحزاب والشخصيات التي يحب، ما بدا أنه استغناء لحد كبير عن دور حزب الحركة الإسلامية المؤتمر الوطني، ومحاولة خلق التفاف حوله من قوى سياسية مختلفة، حتى وصوله إلى مرحلة الأنا الحالية، عاش البشير مرارات هائلة من التهميش، جعلت منه حالة رهيبة من حب التسلط. 

يستعد البشير لقضاء فترة خاتمة في السلطة بدءاً من 2020، في محاولة أخيرة منه فيما يبدو، لإثبات أنه القائد السوداني العظيم الذي سيخلده التاريخ، وذلك بمحاولة إطفاء الحروب الداخلية بمساعدة الغرب.

 

صحافي وروائي 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...