زِنكْ أمريكي

0 85


ترميم أي أثر تاريخي يتطلب من حيث المبدأ، أن يحترم صاحب المَسطرين أو الإزميل أو الفرشاة، لحظته التاريخية، فهو يقِف أمام طللٍ استبقى له الدهر منه شيئاً، بالتالي فإن واجبه المباشِر هو الحِفاظ على ذلك الأثر الباقي، ليسلِّمه “صُرّة في خيت”، للأجيال التالية.
من يُرمم أثراً، يتوجّب عليه أن يتعامل مع بقايا الأثر برفق.. يُفترض في المُرمِّم أن يكون صاحِب مِخيال، وأن يكون هدفه الأسمى إعادة ملامح الماضي، لا أن يقع التلطيخ “الحضاري” فوق الصرح التاريخي ليكون شبيهاً بما نحن فيه……!!
ما حدث في دنقلا العجوز هو الكارثة بعينها.. الكنيسة/ أو بيت الملك، عبارة عن قلعة باذخة من اللّبِن معروشة بالدّوم.. تلك القلعة هي أشهر ما تبقى من عهد الممالك المسيحية في شمال السودان.
الشكية لله، إن كانت الوزارة رأسها سلفياًعتيداً، وصاحِب رؤية “واضِحة” تجاه المُجسّمات.. الشكية لله، إن كان ما يحدث من دمار يتم تحت إشراف هيئة الآثار..!


جارت بنا الأيام، فأصبح تاريخنا نِزعاً للاستثمار وتحت رحمة “البنَّاءون الأحرار”، الذين شيدوا فوق قلعة المدينة طابقاً بالأسمنت والطوب، عرشوه بالزِّنكْ الأمريكي..! مبنى أثري يمتد تاريخه إلى حقبة البقط، يُبنى فوق طابق عُلوي، ويُنزع من مدخله باب “الكوبِدْ”، ويُستبدل مُفتاحه ــ مُفتاح الكُشر ــ بكيلون تم تلحيمه بحديد خمسة شنكل..!؟ من أعطى “البناءون الأحرار” إذناً بتشييد طابق فوق مبنى أثري، ليسكنوه غير هيّابين لحرمة المكان.. هذه مدينة قديمة لم يُكتشف سرها بعد، تهدُر الآن فوقها آلياتٍ عافِصة، وتتجادع في الفناء الذي يُحيط بها شُحنة صناديق، وعفشة أغراضٍ مستوردة، ما يعني أن “المُعلِّم” المُشرِف على الترميم، قد وقر في صدره تهيئة المكان، ليكون جزءاً من حضارة عصرنا، أو بيتاً لضيافة السُّلطة..!
هذا التخريب لآثار رُماة الحدق،لا يمكن أن يحدث دون علم الهيئة القومية للآثار.. هذا فعل إجرامي لا علاقة لها بالفن أو التاريخ.. هذا شُغُل “هبَتلّي”، بدد سحر المكان، وأضاع رسمه، وأفقده وهجه القديم،، وستكون الكارثة أكبر عندما تداهم هذه الأيادي الرّعناء قِباب المدينة التسعة والتسعين.
هل هي مؤامرة تستهدف تجريف مراقِد الأولياء، باعتبارها شِركاً، كما حدث في تمبكتو..؟
أيها الناس: على جُدر تلك القباب، نقوش وذكريات اختطتها أيادي الزائرين للمدينة منذ عهد السلطنة الزرقاء.. أخشى أن يُحكم عليها بالتبليط، ويضربها أخوانكم في الدين، بالبوماستيك..!
وما هكذا يتم الترميم يا مولّانا.. لكن، كلّو جايز، طالما أننا كشعب تجذّر على النيل منذ نشأة الخليقة، قد عهِدنا بتاريخنا لشركة،، ورحم الله النميري، الذي أهدى لدويلات النفط خيرة أبناء الخدمة المدنية السودانية، كي يضطلعوا ببناء دويلاته المايكرسكوبية..!
إن شئتم الترميم فإن للترميم قواعده.. استعينوا بأهل العلم، وبأدوات العصر.. أوقفوا هدير آلياتكم التي تؤذي قبورنا.. الترميم عمل إبداعي يجب أن يُشرف عليه فنانون لا يقِلون شأواً عن الصلحي وشبرين.. إن كنتم فاعلين، فرمِموا مغارة القلعة الذي تربطها بشاطئ النيل.. قاوِموا ثعابين الدهر التي أغلقت نفقاً كان يسقي قلعة دنقلا في أزمنة حصارها..إن كنتم فاعلين، أعيدوا بناء القباب التي تهشّمت في العراء.. أعيدوا لافتاتها التي نزعها الغُلاة.. حافظوا عليها من الحانقين على تاريخنا.. إن كنتم فاعلين شيئاً لحماية صروحنا، فإن جقلبة سياراتكم ذات الدفع الرباعي، حرامٌ فوق رؤوس موتانا.. هذه المدينة يُفترض ألا تدخلها الميكنة الثقيلة، مالم يُكتَشف المطمور تحت ترابها.. إن أردتم السكنى، فرمموا البيوت التي تُجاور الكنيسة، فقد تُفصِح لكم عن الكثير ممّا كان عليه نوبة العهد القديم.. إن كان لكم يقين بالقيمة المادية والروحية للمكان، فعليكم إزالة هذا الطابق فوراً، لأنه سُبّة في وجه تاريخنا..!

عبد الله الشيخ
اخر لحظة

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...