زوجتك مجبرتي: صفوة القلوب الشتى

0 107
عبد الله علي إبراهيم

كتب عبد اللطيف البوني (البوني ذاتو) (السوداني 23 مارس 2017) كلمة غراء ينعى الحداثيين الذين وقفوا فراجة معتزلين جهود المؤتمر الشعبي لصون حرية المرأة بطريق زواج التراضي. فقد أثار مشروع الشعبي ثائرة المحافظين كما رأينا. وبقي الشعبي وحده ينافح عنه دفاعاً توقعه البوني من سائر الحداثيين والجندريين والاستناريين وكده. لهم الأسماء. وسمى وقوف الحداثيين فراجة على المشهد “خيانة”. ولمس البوني فسالة سياسية عندنا تصبح بهاالمسألة المتفق عليها سبباً للقطيعة: تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. ولم أجد أبرع من المرحوم الخاتم عدلان واصفاً لحالة هذه الجزر المتعادية حتى في المتفق عليه. فوصف جماعات التجمع الوطني الديمقراطي (أسمرا) ببخلاء الجاحظ. وسمة هؤلاء البخلاء أنهم متى حصلوا على لحم لم يولموا جميعاً، بل أخذ كل منهم شريحة لحم، وغمسها في الحلة، ينتظر نضجها وحدها لا دخل له في ما عداه.

لو رجع البوني إلى الوراء لوجد الإخوان المسلمين وغيرهم فراجة على جهود بذلها الحداثيون اليساريون لتأمين رضا المرأة بزوجها. فقد تكاثرت حالات انتحار فتيات لم يقبلن بزوجهن الموعود في آخر الخمسينات. ونهض الاتحاد النسائي الحداثي يدعو بوجوب التأكد من قبول المرأة بمن قدم يطلب يدها. واستجابت المحكمة الشرعية للحساسية الاجتماعية الناشئة. فقضى المنشور الشرعي رقم 54 لعام 1960 أن يتأكد المأذون من أن الفتاة التي جاء لعقد زوجها راضية عن هذا الترتيب. وقرأت للشاعر الفحل توفيق صالح جبريل قصيدة نشرتها “صوت المرأة”، مجلة الاتحاد النسائي،” يشيد بقاضي قضاة الشرع الذي أصدر ذلك المنشور.


وأقف هنا للتنويه بالخيال الفقهي لقضاة الشرع. فقد بدأت المحكمة الشرعية منذ تأسيسها في نحو 1900 بفقه الحنفية الذي يقضي بأن بوسع المرأة أن تعقد لزواجها بنفسها. غير أنها انتكست عن هذا المبدأ الحنفي الحق في عام 1933 في ظروف وملابسات غير واضحة لنا حتى الآن. واستبدلت المبدأ الحنفي بالرأي المالكي الذي يعطي ولي أمر الزوجة القول الفصل في عقد زواجها: مجبرتي. ثم عادت المحاكم الشرعية في 1960 كما رأينا إلى المبدأ الحنفي المهجور الذي أعطى المرأة حق الموافقة على زواجها ممن تقدم لها. واستصبحوا هنا شريعتهم في زمان اشتدت فيه النزعة الديمقراطية في الأسرة بفضل نشر وتنامي المراكز الحضرية واشباهها.

وبقي الإشكال في تطبيق القانون. فالمأذون كان سيأتي إلى فضاء عقد الزواج الذي تسيطر عليه البطراكية (الغالب فيها سلطان الاب الذكرة). ولن يجد المأذون في نفسه الشجاعة ليسأل ذكور العائلة أن يلقى فتاتهم فيستوضحها جلية الأمر. وحتى على افتراض لقائه بها، وهو أمر بعيد، فإنه سيجد العروس غير راغبة في الإفصاح بذات خيارها لثقل فعل ذلك تحت سمع البطراكية الصماء وبصرها. ومع أننا لم نبلغ من تقدمية التشريع رقم 54 (1960) شيئًا مذكورًا إلا أن أثره التحرري، في قول الدكتورة دينا شيخ الدين، قد مس النساء حتى في القرى النائية. وأهم من ذلك كله أنه قد أخاف العائلة البطراكية من أن تستهتر برغائب نسائهن بحملهن حملاً إلى الزواج بمن لا رغبة لهن فيه. فالأب ورهطه، في قول دينا شيخ الدين، سيعملون حسابهم جيدًا لتفادي حرج أن تشق عليهم فتاتهم عصا الطاعة بالظهور في محكمة تعترض على زواج رتبوه.

وحرب القلوب الشتى لم تنته. فصدرت من الأستاذ محمود محمد طه إدانة معذبة ضد الحداثيين لوقفوهم فراجة وهو يكابد لحرية المرأة في السبعينات في وجه جبهة محافظة من رجال الدين. وكان قد طالب في سياق هذا الصراع بحل البيروقراطية الدينية (المحاكم الشرعية، الأوقاف، الشؤون الدينية). وقام الجمهوريون بأجرأ خطواتهم لتلك الغاية برفع عريضة في سبتمبر 1975 للمحكمة العليا لتزيل التناقض الصارخ بين دستور 1973 ومحاكم الشرع. فهذه المحاكم، في قول العريضة، تخرق السوية في المواطنة التي يكفلها الدستور. فهي تميز الرجل بحق الطلاق، والزواج بأربع، والشهادة، والميراث. فمما يستوجب حل محاكم الأحوال الشخصية، في نظرهم، مخالفتها للدستور بجعل نفسها جهة تشريعية تصدر قوانينها الحاكمة بنفسها مما عُرف بمنشورات المحاكم الشرعية. وقالوا إنها جعلت بذاك من نفسها جهة تشريعية خارقة المبدأ الدستوري القائل بفصل السلطات. ورفضت المحكمة العليا عريضة الجمهوريين على أساس أنهم، وهم المُدّعون، لا سبب لهم للشكوى لأن أياً منهم لم يتضرر شخصياً مما أدعى عليه.

وهنا تأتي سياسات القلوب الشتى. فقد راع الجمهوريين اعتزال الحداثيين لهم والسهام المحافظة تنوشهم من كل جانب. فاستنكروا من الصفوة خذلناهم. فلم يتفضلوا بنشر حتى خبر القضية الدستورية الجمهورية المرفوعة للمحكمة العليا لحل المؤسسة الدينية. وعابوا على المحامين كساد خيالهم جراء اعتزالهم معارك الجمهوريين القانونية في سبيل الحرية. وبلغت خيبة أملهم في الصفوة، التي تغاضت عن مطلوب الحرية، أنهم لعنوها بعبارة ذائعة: “إن الاعلام والأقلام عند غير أهلها اليوم.” وفي عودتهم بتلك الخيبة من خير في الصفوة أشانوها لاعتزالها شعبها بقولة سائرة أيضاً: “إن الشعب “لا تنقصه الأصالة وانما تنقصه المعلومات الوافية وقد تضافرت شتي الظروف لتحجبه عنها”.

وشفّ غضب الجمهوريين من الصفوة أحياناً ليكشفوا عن استبطان غير عادي لسياساتها وثقافتها. فالصفوة الحداثية عندهم تغربت عن الإسلام غربة أفقدتها العزيمة لتحدي المشيخية الدينية. وانقطاع هذه الصفوة عن الإسلام هو ما خوّل للمشيخية احتكار تفسير الدين حصرياً. فبينما يعترف الصفوي الحداثي منهم بجهله بالإسلام بغير وازع تجده شديد الحرج إذا تكشف جهله بمفردة من ثقافة الغرب. وخلصوا إلى أن احتكار المشيخية تفسير الدين بغير شريك أو منافس هو أثر من ثنائية التعليم الاستعماري.

الداء عميق يا بوني. ويظن مختومو العقول (في عبارة للحاج وراق في هجاء رهط الخاتم عدلان) أن الرحلة قصيرة، والمأمول قريب، وسعادة الدرأين لشعبنا حكر لهم. كل يرمي بشريحة لحمه في الحلة ينتظر أن تنضج لوحدها دون الأخريات.

(للتوسعة في الموضوع أنظر كتابي “الشريعة والحداثة”)

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

للتفاعل مع الكاتب 

 

زوجتك مجبرتي: صفوة القلوب الشتىعبد الله علي إبراهيمكتب عبد اللطيف البوني (البوني ذاتو) (السوداني 23 مارس 2017) كلمة…

Posted by Abdullahi Ibrahim on Friday, 31 March 2017

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...