حكاويهم في المعتقلات

0 95

جرى اعتقالي في نوفمبر ١٩٩٠ وضمي لمجموعة كبيرة من المعتقلين من مختلف المشارب على سطوح عمارة جهاز الأمن بالقيادة العامة وحولت من بعدها لبيت الأشباح الملاصق للجنة الاختيار للخدمة العامة جهة شارع البلدية وفي محله الأن تقوم عمارة يشغلها مركز تدريب تابع لجهاز الأمن . هذه الإفادة ليست ذكريات شخصية شاملة عن تلك التجربة ولكنها محاولة لتذكر بعض الوقائع التي شهدتها خلال ثلاثة عشر شهراً من الاعتقال بذلك المكان قبل ربع قرن من الزمان والتي تضمنت أشكالاً من التعذيب الذي مورس على المعتقلين هناك.
تميزت الفترة المذكورة عن سابقاتها أنها جاءت بعد الموجة الأولى للتعذيب الجماعي الوحشي للسياسيين المعارضين واغتيال الشهيد الشيوعي الدكتور علي فضل تحت التعذيب ، ومن بعد تصاعد الحملة ضد التعذيب على المستوى المحلي والعالمي مما أسهم في غل يد الجلاد وتوقف عمليات التعذيب الجماعي ثم العودة التدريجية لتلك الممارسات ، وقد كنت تعرفت قبل اعتقالي على أساليب التعذيب المعتمدة من خلال تلك الحملة التي قادها الحزب الشيوعي ومن خلال مادة غزيرة وفرها المعتقلون الذي تعرضوا للتعذيب بعد وصولهم سجن كوبر العمومي.
أول حالة تعذيب شهدتها كانت لمعتقل من قبل الأمن الإقتصادي وكنا لا نزال في سطوح عمارة الأمن وفي صباح باكر وقبل نهوض الجميع كنت اتمشى بالخارج فلمحت شخصاً يصعد السلم وعندما وصل للسطح لم يلق السلام بل توجه نحو مرقد شخص بعينه وقبض على موضع حساس من جسده وضغط عليه بشدة وكان يقول له كم المبلغ ؟ وبعد إجابة ما ترك المعِذب ضحيته ونزل.
وحتى ذلك الوقت لم يكن هناك فصل بين معتقلي القسم الاقتصادي والقسم السياسي وفي تلك الأيام كان هناك رجل أعمال ضمن المجموعة كان صعب عليه النوم وطال أرقه، وفي يوم ما حضر معتقلون متهمون بتدبير إنقلاب عسكري من جلسة محاكمتهم الأخيرة والتي نطق فيها قاضيهم بحكم الإعدام ، وأخبرونا بذلك ثم تناولوا عشائهم وناموا .. عندها انفجر رجل الأعمال بالصياح المتوتر قائلاً – ناس يحكموا عليهم بالإعدام ومعاهم ناس متهمين بالشيوعية نايمين يشخروا وانا ما قادر أغمض عيني لدقيقة في تهمة متعلقة بأكياس نايلون !! وتولى الزميل كمال حسين إعادته للهدوء مرة أخرى ، وفي الواقع فإن الزج بالناس مهما كانوا في مثل هذا الجو المرعب لهو نوع من التعذيب ايضاً وله وقع كبير خاصة على الأفراد من غير السياسيين وغير ذوي الخبرة والتجربة.
في الأيام الأولى لتحويلنا للبيت تعرضت لعقوبة من قبل الحرس كمندان حسن والذي تولى لوحده في ذلك الوقت معظم شئون المعتقلين الذين اوصدت على مجموعاتهم الغرف التي لا تُفتح إلا للصلاة وقضاء الحاجة ، وفي يوم من الايام جاء وفي معيته معتقلين جدد أدخلهم للغرفة التي كنت بها حيث كان الترحيب بأي وافد جديد أمراً طبيعاً ، لك يومها كانت التهمة أني تعرفت علي نائب رئيس الوزراء في العهد الديمقراطي الراحل السيد صمويل أرو، وكيف أني تجرأت ورحبت به في الغرفة وساعدته في أن يجد طريقة للحفاظ على بدلته التي خلعها واحتار أين يضعها فأشرت عليه بتعليقها على الباب فمضى إليه بطوله الفارع عليه الرحمة وتركها تتأرجح على ضلفة الباب وسخر من هذا الوضع، وربما كان ذلك التعليق هو ما أثار حفيظة الحرس فسألني إن كنت أعرف هذا الشخص ؟ أجبت بنعم قال من أين تعرفه ؟ قلت من التلفاز فكل السودان يعرف السيد صمويل أرو الزعيم الجنوبي البارز وطُلب مني أن احمل متعلقاتي واتبعه في ذلك الليل، وافضى بي ذلك الطريق لمكان مظلم وطلب مني الدخول ، كان الظلام حالكاً وما كنت أعلم أين المدخل ، ولكني سمعت اصواتاً تصدر من قلب الظلمة تقول مرحباً تفضل ، ودخلت ، كان واضحاً أن سكان تلك الظلمة اجتهدوا حتى افسحوا لي مكاناً وانصبت عليّ اسئلة التعارف سريعة كأنما كانوا يريدون أن يعرفوا إن كان بمقدورهم مواصلة ما انقطع من حديثهم ، وبعد صمت قليل وعبارات السلام ، استأنف راوٍ متمهل قصة كان من الواضح انها بالغة التشويق لأنهم انصرفوا عني وانصرف انتباهي معهم للحكاية ، كان ذلك الراوي يتحدث عن تجربته في إبان أحداث الجزيرة أبا الدامية عام ٧٠ . كان الراوي هو السيد مكي يوسف النصيبة نائب رئيس المجلس الأربعيني لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم دورة أحمد عثمان مكي ونائب عن دائرة جنوب ربك (كنانة) (عن حزب الامة) في انتخابات عام ١٩٨٦وسرعان ما انساني ذلك الحكي البديع تلك الظلمة الحالكة التي لفت المكان ورائحته المنفرة والذي تكّشف عن كونه مطبخاً افترش أرضه هؤلاء الرجال من الكوادر والذين كانوا وبرغم افتراشهم أرض هذا المطبخ القذر الذي تحوم حشراته من صراصير (الكوكوروش) فوق أجسادهم سعداء باجتماعهم وروحهم المعنوية عالية تفيض بالتحدي واللامبالاة بالمعتقل وقد اضمحلت فروقاتهم وخلافاتهم السياسية والايديولوجية ولا أنسى منهم المهندس صيام مدير مصنع الطوب الآلي بعطبرة ولا أذكر الآن بالضبط إن كان ضمنهم في ذلك المطبخ قادة نقابة عمال السكة حديد وعلى رأسهم النقابي علي عبد الله السيمت أم لا فالأمور تختلط بطول الوقت وقد رافقتهم في سطوح عمارة الأمن بالقيادة ومن بعد في بيت أشباح شارع البلدية لكنهم كانوا في غرف أخرى .


في الصباح بدا المشهد مأساوياً بحق فرجال بهذا القدر والمقام يحشرون في هذا المكان الوضيع ولكن شحنة الثقة والاستعلاء على سلطة هذا شأنها والتي أخذتها عن تلك المجموعة قد كفتني وفاضت كي أعبر التجربة ولا ريب أن تلك الروح معدية بشكل ما وقد سمعتهم يتحدثون بفخر عن الطريقة التي تعامل بها الشيخ الاتحادي الراحل مضوي محمد أحمد مع حراسه في ذات هذا الموقع . في الصباح تبادلنا النظر من خلل الباب نرقب حركة الحراس والمعتقلين الذين يظهرون في الجهة المقابلة حيث تقبع حجرة اسماها المعتقلون ( فندق جدعة ) وجدعة هو ضابط في القوات المسلحة كان لا يزال وقتها في بيت الأشباح حين حضوري وقد أمضى في تلك الغرفة ردحاً طويلاً من الزمان حتى اسموها عليه ويقال أن سبب اعتقاله رفضه التنازل عن حقه في عبور صينية الحركة لإبراهيم شمس الدين الذي كان يمر بها وكان مصيره الحبس في تلك الغرفة العارية والتي يهددون بها المعتقلين ويقال أن بها نمل أسود كثير وكبير لا يمكن النوم معه اطلاقاً. وكان يحبس بها في تلك الأيام الدكتور حسين حسن موسى القادم من سجن كوبر بسبب مشاركته في إضراب عن الطعام احتجاجاً على حرمان المعتقلين المرضى من الرعاية الصحية وقد شاهدته من خلال ثقب الباب يخرج مع الحرس ويعود وعرفت فيما بعد أنه قد أعيد لسجن كوبر.
من ضمن حالات التعذيب في المحابس الضيقة ما جري للمعتقل عبد الرحيم الفحيل المحامي الذي كان مقيداً بقيد حديدي في غرفة ضيقة جداً كانت لا تسمح للشخص بالتمدد وكانت تسمى (الصندوق) . ومن الذين حبسوا انفرادياً بمخزن قديم لفترة وصلت لعام ونصف الضابط مهندس الطيران بابكر محمد ابراهيم الشهير (ببكور).
اعادوني من المطبخ مرة أخرى لغرف البيت المكتظة بالمعتقلين ووضعت في غرفة كانت تسمى (مكة) كان بها الشيخ خالد محمد إبراهيم عليه الرحمة إمين هيئة شئون الأنصار حينها ومجموعة من المعتقلين قبل أن أرّحل لغرفة أخرى كانت تسمى (مجلس الوزراء ) لأنه كان بها ومن قبل حضور مجموعتنا الأفاضل من حزب الأمة الراحل الدكتور عمر نورالدائم والراحل السيد عبد السلام الخليفة والراحل محمد عمر الشهيد والسيد عبد اللطيف الجميعابي وآخرين كثر.
في تلك الأيام حظيت بزيارة من قبل أسرتي التي اجتهدت في الحصول عليها وكان ضابط الأمن المعروف محمد الأمين هو من أشرف على تنظيم ومراقبة تلك الزيارة أمام جريدة القوات المسلحة. وعند العودة من الزيارة تم تفتيشي قبل الدخول وعثر معي على ورق كان أصلاً في جيبي قبل خروجي ومن ضمنه ورقة بها عنوان دكتور عبد الكريم القوني الذي كان لا يزال معنا في البيت واستلزم ذلك عقاباً (بطابور) يبدو أنه كان الأول من نوعه بعد انقطاع لفترة عن مثل تلك الطوابير.
أثار استدعائي بين صلاتي المغرب والعشاء قلق المعتقلين وكان التعبير على وجوههم بليغاً مما حدا بي للتصميم بأن أمضي دون أخذل أحداً مهما كان الأمر ، وفي ساحة المنزل الشرقية وقف كمندان عمر في هيئته العملاقة واضعا يديه بكامل امتداها على سلك الغسيل وبدأ في سؤالي اسئلة كثيرة وعندما سأل عن موطني وكان يظنني من ناس العاصمة وجدته يعرف اسماء القري التي حول قريتنا مثل ود بلة وقنطرة ودبلة وكَنو وكدَسا وحشرات وجلسوا وكُرُنجوكا وهذا مما لا يتأتي إلا لمن عاش في المنطقة ثم سأل عن توجهي السياسي واضعاً مسدساً ضخماً على رأسي فقلت له شيوعي فصاح من بعيد لحراس آخرين .. “يا كمندان قال هو اشتراكي..” ولاحظت طبعاً تخفيفه للكلمة وكأنه لا يستطيع تردادها ، وأجابه كمندان آخر من بعيد أن ” اكتلو ..”
قال لي كمندان عمر ألا تخشى الموت قلت (ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً ولاتدري نفس بأي أرض تموت) ، قال تشهّد رددت الشهادة ضغط على زناد المسدس الفارغ ووجدني أنظر إليه بشكل عادي فقال لي “مبروك .. خلاص كتلناك ، أمشي احضر صلاة العشاء” وأضاف أنه يتوجب عليّ الانصراف بطريقة عسكرية وأخبرته أنني لا أعرف تلك الطريقة قال أعلمك وظل يعلمني وأفشل في التنفيذ بطريقة متعمدة حتى استيأس من عسكرتي وقال لي أنت (ملكي ساكت) وصرفني لصلاة العشاء .. وبعد تناول طعام العشاء عاد الكمندان للغرفة وقال لي على مسمع من الآخرين “راسك كبير ، تاكل التعليمات زي البسكويت ” وقال ستكون هناك ليلة زحف حتى القصر الجمهوري.. قلت له هل القصر قريب من هنا ؟ .. قال “بطّل سؤال” ، لكنه لم يعد ولم يكن هناك زحف وقد وصلت الرسالة للمعتقلين بعودة الطوابير من جديد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...