حرية تعبير..مدخل للتغيير..

0 85

بقلم د. مأمون على صالح
طبيب بالمستشفى التركى ومهتم بالشأن السياسي


دارت في الفترة الأخيرة نقاشات واسعة استتباعا لحركة العصيان المدني في 27 نوفمبر.أغلب هذه النقاشات خلص إلي التأكيد علي أن تطور حركة التغيير في السودان يحتاج إلي شرط لازم يتمثل في أهمية وكيفية التنسيق بين القوي الشبابية والمدنية التي أنجزت حركة العصيان،وبين القوي السياسية المنظمة ممثلة في الأحزاب السياسية السودانية المعارضة.وقد تركز أغلب النقاش حول تقديم دعوات إلي القوي الشبابية لتعديل تصوراتها حول أن الأحزاب الموجودة غير مؤهلة للتنسيق معها لإنجاز التغيير.
ولما كنت مقتنعاً بأن تعديل المفاهيم هذه وطلب استقامتها علي الجادة ليست مهمة تنجزها القوي الشبابية والمدنية داخل تكويناتها، بل هي عملية تتم في اتجاهين،و تتم أيضا بواجبات محددة تقع علي عاتق الأحزاب السياسية إكمال وضعها علي أرض الواقع.وهذه الواجبات الحزبية هي ما ستركز عليه هذه المساهمة .
وتصوب هذه المساهمة هدفها من قناعة راسخة مفادها أن عدم تجذر فكرة التنسيق/التحالف بين قوي التغيير الديمقراطية وتسيد العفوية للحراك الدائر الآن قد،وأكررقد،يضع عملية التغيير برمتها رهناً لسيناريوهات ونهايات تمدد في عمر السلطة الفاشية ولا تزيلها.سيناريو تغيير الوجوه والازياء فقط .وهو مهدد رئيس للتغيير الذي ينجز بعدم وضوح ما نطلبه من التغيير،وعدم ملامستنا لقيادة ملهمة تتبناه.
لم تروقني الحملة التي أتت كرد فعل متعجل لتعبير بعض شابات وشباب الناشطين عن يأس مستوطن لديهم يغبش قدرة القوي السياسية المنظمة علي الساحة السياسية السودانية الاآن علي المضي بالحراك الجماهيري المتصاعد إلي هدفه في إسقاط النظام.
ولعل جميع الذين تصدوا لبروز هذا الرأي وسط هذه القوي الجديدة،من السياسيين المتحزبين أو من ناشطين شباب ايضاً.لم يكونوا ابداً في حوجة لفتح دفاتر التضحيات التي قدمتها الأحزاب السياسية منذ ظهور الديكتاتوريات علي مسرح إدارة الدولة السودانية بتجلياتها المدنية او العسكرية.فهذه من مسلمات العلم لدي هؤلاء الناشطين والناشطات.يحفظونها عن ظهر قلب،لذا كان الأنجع والأجدر بالبحث فيه ،في طريق إنجاز أشكال للتنسيق القاعدي المبني علي إدراك شعارات تعبر عن المعاناة اليومية والمعاشية للجماهير في أرجاء الوطن،و تضم كافة القوي الحية والحديثة الهادفة إلي إنجاز التغيير نحو الدولة الديمقراطية السودانية.
كان الناجع في تقديري هو البحث عن إجابة موضوعية لسؤال:
لماذا اصلاً لم يعد هذا التاريخ الوضيء المقاوم للأحزاب منذ يونيو 1989 وحتي اللحظة،لماذا لم يعد كافياً لإنجاز قنطرة ثقة بين هذه الأحزاب والقوي الحديثة الشبابية والمجتمعمدنية التي تصدت لتحريك الشارع والتعبيرعن مطلوباته في الفترة الاخيرة؟
وأعتقد أن إجابة هذا السؤال هي التي تفتح الطريق أمام إرساء أشكال تنسيق،بل وحتي تحالفات بين هذه القوي مجتمعة بشاباتها وشبابها ونشطائها المدنيين وبأحزابها. الواضح أن القوي المنظمة الحزبية بمختلف أشكال تحالفاتها الآنية،وإعتراف قياداتها هي في وضع تقديره أنها أضعف من أن تنجز مشوار التغيير منفردة.لكنها في حوجة لنقد ذات شفاف يشخص بالضبط لماذا أصبحت كذلك.وبحاجة أكثر لوضع تصورات لكيفية ترميمها لهذا العجز بصورة واقعية.وهي حين تفعل ذلك أمام الشعب بشفافية،لن تحتاج مرة أخري لإعادة الاندهاش وإجترار سجل التضحيات القديمة المعنكب حين تم طرح الثقة فيها من قبل الناشطين.لأنه دون إنجاز هذه الخطوة فكيف يطرح مصداقية قدرة الأحزاب علي الدخول في أشكال عمل جديدة تضمها وآخرين من خارج منظوماتها لإنجاز مهمة التغيير.
الحديث المكرور عن أهمية التنسيق بين كافة القوي استقراء للواقع السياسي الماثل،لا يكفي تكراره لإنجاز هذا التنسيق.لماذا؟
أولاً: لأنه يظل كما نلاحظ حديثاً مقصوراً بين فئات الحزبيين المنظمين في أغلبه.سيكون من الأفيد لمصلحة إنجاز التنسيق والتحالف أن ينتقل الحوار بواسطة عضوية الأحزاب إلي داخل تجمعات النشطاء المختلفة مزودا بأسانيد قوية علي أن تغييرا ديمقراطيا ما أنجزته هذه القوي الحزبية المعارضة…تغييرا داخلها هي نفسها تطرحه علي منظومات القوي الحديثة الناشطة سياسياً لتكتسب ثقتها مجدداً في إمكانية التنسيق والتحالف لإنجاز مطلبها الآني في التغيير الديمقراطي.
ثانياً:سيكون من المنتج جداً لإنجاز هذه المسألة عدم الإنجراف وراء خط الإستناد إلي ما سبق من أشكال تضحيات فقط.الواجب أن تقدم القوي السياسية المنظمة علي ممارسات عملية لواقع التنسيق علي الأرض،وفوراً. وحدها هذه التطبيقات علي الأرض لأشكال التنسيق وإبراز فهم وممارسة ديمقراطية داخلها هي الكفيلة بغرس الثقة مرة اخري،لا مجرد البقاء بعيداً عن أي تنسيق ملموس،وإهدار الزمن والقدرات فقط في لوك دعوة أهمية التنسيق.
ثالثاً:ضرورة أن تتناغم القوي السياسية المنظمة مع ذاتها ومع دعوتها المتعلقة بأهمية وضرورة هذا التنسيق،وذلك بعدم استنسال ومجاينة (من جينات)الفكرة الفاشية الانقاذية التي تدعي أن بديل الإنقاذ هو الفوضي المسلحة.إذ يلاحظ أن مدخل بعض الأحزاب لتأكيد دورها الوطني في التغيير-وهو غير منكور-إنما لتفادي فوضي أخري جهوية وإثنية وعشائرية ستعم الوطن حال أقصيت الأحزاب عن معسكر التغيير الراهن.ورغم يقيني التام بالضرورة الموضوعية لشراكة القوي الحزبية في إنجاز المستقبل الديمقراطي للوطن، إلا أن هذا الدور لا يتحتم فقط لتفادي بديل أسوأ. الصحيح أن ينبني علي حقيقة أنها تقدم قيادات وآليات وبرامج تنسجم مع إحتياجات التأسيس لدولة مدنية وديمقراطية.
رابعاً: وإعتباراً لتجارب الآخرين من حولنا،لابد أن تنجح القوي السياسية المشكلة للنادي السياسي التاريخي السوداني في تقديم أطروحات في داخل هذا التنسيق/التحالف تؤكد بها أنها قد وضعت معالجاتها السياسية والاجتماعية الناجعة التي ستعصمها من التحول لقوي إجتماعية وسياسية تكبح جماح التطور الديمقراطي للوطن حال إنجاز أولي خطوات التغيير باسقاط النظام.هذه مسألة حيوية.
بالتحليل الموضوعي لبؤر الضعف التي قهقرت محاولات التغيير في النطاق الإقليمي بل وإرتدت بها إلي عكس أهدافها إنما يكمن في إعتمادها وتنسيقها وتحالفها بفقه الذرائع مع قوي سياسية وإجتماعية مناهضة أصلاً لأي تطوير ديمقراطي لبرنامج التغيير.ويمكن هنا التعويل علي قضيتين حيويتين لإنجاز هذا الفرز الديمقراطي بعيدا عن أي براغماتية مميتة،ما يجب أن يتوفر كحد أدني هو موقف القوة السياسية المحددة هو موقفها المتصالح ديمقراطياً من :
1/الدولة المدنية المعتمدة علي حقوق المواطنة.
2/القناعة التامة بفشل والقطيعة التامة مع أي توجه إقتصادي يعتمد اقتصاد السوق الحر (إن جازت التسمية علمياً).
بالإلتزام التام في هاتين النقطتين،في ظني،يمكن التخلص من حمولة معتبرة من الشكوك وعدم الثقة والمخاوف من أن تنقلب هذه القوي الإجتماعية والسياسية إلي أحصنة طروادية تلجم حركة التغيير الديمقراطي عند بوابته وتحوله إلي تغيير شكلي بذهنية إرتدادية تكرس لذات السياسات التي تخوض القوي جميعها معركتها عبر تنسيقاتها وتحالفاتها لإسقاطها مرة والي الأبد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...