تداعيات رفع العقوبات الأمريكية على السودان

83

 

التجاني الطيب إبراهيم
التجاني الطيب إبراهيم

هناك نوعان من العقوبات الأميركية التي استهدفت السودان: النوع الأول: عقوبات تنفيذية رئاسية شملت الأمر التنفيذي 13067 (نوفمبر 1997) الذي تم بموجبه فرضعقوبات اقتصادية ومالية وتجارية شاملة، علما بأنه قد تم قبل ذلك إضافة السودان للقائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب (عام 1993)؛ والأمر التنفيذي 13400 (أبريل 2006)، حيث تم توسيع العقوبات لتشمل حظر الأفراد الذين تثبت مساهمتهم في نزاع دارفور وحجز أملاكهم؛ والأمر التنفيذي 13412 (سبتمبر 2006)، الذي قضى باستمرار حجز أموال الحكومة السودانية، مع إضافة كل المعاملات التي قد يقوم بها أي مواطن أميركي مع صناعة البترول والصناعات البتروكيميائية في مجال النفط وأنابيب النفط السودانية.


أما النوع الثاني من العقوبات، فقد تم بتشريعات من الكونغرس الأميركي، وضم: قانون سلام السودان (2002)، وقانون سلام السودان الشامل (2004)، وقانون سلام ومحاسبة دارفور (2006)، وقانون المحاسبة ونزع الاستثمار في السودان (2007).

في البداية حاول السودان تفادي العقوبات المفروضة عليه -خاصة في مجال المعاملات المالية والمصرفية- بالتحول من الدولار الأميركي إلى العملات الأخرى القابلة للتحويل، لكن سرعان ما باءت هذه الخطوة بالفشل، نتيجة لقوة أميركا الاقتصادية وسيطرتها شبه الكاملة على نظم وحركة المعاملات المالية في العالم.

لذلك، انقطعت علاقة السودان تدريجيا بالبنوك الأميركية ثم الأوروبية، ثم بدأت بعد ذلك معظم البنوك والمصارف الخليجية والآسيوية في الابتعاد عن التعامل مع السودان خوفا من تأثير العقوبات الأميركية على مصالحها، مما زاد من تكلفة تقديم الخدمات والتحاويل والتجارة للسودان.

المؤسف أن تلك العقوبات أضرت أيضا بالقطاع الخاص السوداني بحرمانه من التمويل الخارجي والاستثمار الأجنبي، خوفا من الوقوع في مصيدة قوانين المقاطعة الأميركية التي طالت أيضا السودانيين في دول المهجر وفي الداخل، بسبب صعوبة التحويلات البنكية من السودان وإليه.

أما في قطاع النقل، فقد كانت السكة الحديدية والخطوط الجوية السودانية أول الخاسرين، بسبب توقف أكثر من 80% من القطارات والطائرات ذات الأصل الأميركي عن العمل لعدم توفر قطع الغيار، مما أدى إلى ارتفاع تكلفة النقل عن طريق الجو والشاحنات.

كما أضرت العقوبات أيضا بقطاع الصحة -خاصة الجانب الدوائي- نتيجة للتأثير السلبي على استيراد الأدوية المنقذة للحياة وعلى مجالات التعاون الدولي وبناء القدرات البشرية ونقل التقانة الحديثة.

وفيما يختص بقطاع الصناعة الذي يستحوذ على 26% من إجمالي الناتج المحلي، فقد أدت المقاطعة إلى تدهور الصناعات الرئيسية كالنسيج والزيوت والملبوسات والمنتجات الجلدية والدواء، وذلك لعدم التمكن من اقتناء قطع الغيار والتقانة الحديثة بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة التمويل والمعاملات البنكية، مما أدى إلى توقف الكثير من الصناعات الحيوية وتشريد كمٍّ هائل من العمالة.

أما القطاع الزراعي، الذي يساهم بأكثر من 29% من إجمالي الناتج المحلي، فلم يكن أوفر حظا، حيث أدت العقوبات إلى رفع أسعار مدخلات الإنتاج بسبب الشراء عبر الوسطاء والسوق الموازي، وزيادة أسعار التأمين، والحرمان من التقنية الأميركية والغربية؛ مما نتج عنه ارتفاع تكلفة الإنتاج وبالتالي توقف معظم الصادرات الزراعية خلاف الصمغ العربي.

باختصار، تمثل المقاطعة أحد الأسباب الهامة في تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، حيث ساهمت وبصورة مباشرة في رفع تكلفة الإنتاج وبالتالي في ارتفاع أسعار المستهلكين، مما ساعد في الحد من تنافسية المنتجات السودانية وتوسيع وتنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد القومي.

لكن من الخطأ جعل المقاطعة شماعة يعلق عليها فشل سياسات الحكومة الاقتصادية والمالية، فضلا عن الأخطاء السياسية، لأن لتلك السياسات دورا أساسيا في تأزم الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها السودان حاليا.

لقد ظل الوضع الاقتصادي السوداني في حالة تأزم منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، تنعكس في عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك في الاقتصاد الكلي الناتج عن: (1) التوسع المستمر في الإنفاق الحكومي التشغيلي غير الداعم للنمو الذي زاد بأكثر من 100% منذ انفصال الجنوب (يوليو 2011) وذهاب 75% من إنتاج النفط معه عبر الموازنة العامة للدولة، والصرف خارج الموازنة على الصراعات المسلحة في أرجاء البلاد، و(2) التراجع المتواصل لأداء القطاعات الحقيقية الرئيسية من الزراعة (بشقيها النباتي والحيواني) والصناعة، مما أدى إلى ظهور اختناقات هائلة في الإنتاج المحلي زادت من الاعتماد على الاستيراد -خاصة الغذائي- وقلصت من حجم الصادرات، مما أدى إلى المزيد من الطلب على النقد الأجنبي، مع ملاحظة أن عائد صادرات الذهب لا يتعدى 1.2 مليار دولار في العام. هذا قاد بدوره إلى تنامي عجز الميزان التجاري (الفرق بين الصادر والوارد) الذي ارتفع من ثلاثمئة مليون دولار في عام 2011، إلى أكثر من أربعة مليارات في عام 2016.

هذه العوامل هي السبب الرئيسي وراء تدهور قيمة العملة السودانية مقابل الدولار والعملات الأجنبية الأخرى القابلة للتحويل. بالإضافة إلى ذلك، فهناك عدة مخاطر سلبية تخيم على الآفاق الاقتصادية المتوقعة؛ فعدم إحراز تحسن ملموس في خلق فرص العمل -خاصة للشباب- ومستويات المعيشة، يهدد بتفاقم الاحتكاكات الاجتماعية والسياسية، كما أن النكسات التي تتعرض لها عملية التحول السياسي ووضع وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية المطلوبة يمكن أن تضر بأي تعاف اقتصادي متوقع.

في هذه البيئة المحفوفة بالمخاطر، يأتي قرار الرفع الجزئي للعقوبات الأميركية المفروضة على السودان.

القرار وتفسيره

يقضي القرار بإلغاء الأمرين التنفيذيين 13067 و 13412، اللذين تم ذكرهما سابقا.

شمل القرار فك الأصول المجمدة، والمعاملات البنكية والمصرفية، وكل المعاملات التجارية والاستثمارية، مع بعض الاستثناءات مثل شراء المعدات العسكرية والأجهزة المتقدمة والأجهزة ذات الاستعمال المشترك، التي سينظر في أمرها بعد 180 يوما من بدء سريان القرار، بعد التأكد من جدية الحكومة السودانية في السير قدما نحو الديمقراطية والحريات العامة والحد من الصراعات المسلحة.

لكن القرار الأميركي لم يمس “قانون سلام دارفور” ووضع السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، مما يعني أن السودان سيظل محظورا من الاستفادة من القروض ومبادرات خفض الديون الأميركية.

إجرائيا، يبدأ العمل بالقرار من 17 يناير/كانون الثاني 2017، لكن عمليا قد يستغرق إنزال القرار إلى أرض الواقع أكثر من ستة أشهر قياسا على تجربتي إيران وكوبا.

تداعيات رفع العقوبات

الرفع الجزئي للعقوبات يمثل خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح تتيح استعادة التبادل التجاري والاقتصادي بين السودان وبقية العالم الغربي، عن طريق تسهيل العمليات والإجراءات المصرفية لحركة الصادر والوراد، وتوفير السلع ومدخلات الإنتاج الأساسية، والخدمات الصحية والتعليمية، بالإضافة للاستفادة من كافة التسهيلات البنكية والمصرفية الموجودة في العالم، والتقنية الأميركية والغربية المتطورة، وفتح مجالات التعاون مع مؤسسات التمويل والاستثمار الدولية، خاصة بالنسبة للقطاع الخاص السوداني.

في جانب أثر رفع العقوبات على القطاعات الإنتاجية، سيكون القطاع الزراعي (بشقيه النباتي والحيواني) الأكثر استفادة من الرفع. هذا القطاع يمثل القاعدة الإنتاجية الرئيسية للاقتصاد ويعتمد عليه أكثر من 60% من سكان البلاد كمصدر دخل. فاستعادة انسياب واردات المدخلات الزراعية من قطع الغيار والأسمدة والتقاوي والتقنيات الحديثة، سيرفع من إنتاج وإنتاجية القطاع، مما سينتج عنه زيادة الصادرات وعائدها من العملات الصعبة بعد خفض تكلفة الإنتاج ورفع تنافسية المنتجات السودانية، شريطة أن تتبنى الحكومة السودانية تدابير وسياسات جديدة تعزز التنافسية والإنتاج المحلي.

أما القطاع الصناعي الذي يمثل أحد المصادر الرئيسية للعمالة، فهو الآخر -كالزراعة- سيستفيد من رفع العقوبات. لكن، بما أن الموارد الضرورية لإنعاش القطاعات المنتجة تستغرق وقتا لتوفيرها وتنفيذها، فمن غير المتوقع أن يستفيد السودان من رفع العقوبات في توسيع قاعدته الإنتاجية وزيادة حجم صادراته في المدى القصير، على أقل تقدير.

على عكس ذلك، فمن المتوقع في حالة التعطش للواردات الأميركية -خاصة من جانب القطاع الخاص السوداني- أن تكون أميركا هي المستفيد الأول من رفع العقوبات في المرحلة الأولية، مما قد يؤدي إلى اتساع عجز الميزان التجاري، وبالتالي زيادة الضغط على أسواق النقد الأجنبي وسعر صرف العملة السودانية. هذا يعني أن المرحلة القادمة قد تشهد زيادة وتيرة تراجع الجنيه السوداني مقابل الدولار.

فيما يتعلق بتحويلات السودانيين في دول المهجر، وعائد الصادر، فمن غير المتوقع أيضا أن يؤدي رفع العقوبات إلى زيادة عرض النقد الأجنبي في السوق المنظم في ظل الفجوة الحالية بين سعر الصرف التحفيزي وسعر صرف السوق الموازي للدولار، وغياب السياسات المطلوبة للحد من استمرار تدهور العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية القابلة للتحويل.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، حدد بنك السودان المركزي سعر صرف تحفيزيا لتحويلات المغتربين السودانيين وعائد الصادر (15.8 جنيها للدولار)، بمستوى أقل من سعر صرف السوق الموازي (16.1 جنيها للدولار). لكن التقط السوق الموازي القفاز ورفع سعر صرفه إلى (16.5 جنيها للدولار). واستمر السعر في القفز حتى وصل إلى (19.5 جنيها للدولار) في مطلع يناير/كانون الثاني 2017، بينما ظل السعر التحفيزي واقفا في مكانه.

لكن فجائية القرار برفع العقوبات دفعت بالسوق الموازي لتوخي الحيطة والحذر، فهبط سعر الصرف الموازي إلى حوالي (18 جنيها للدولار)، لكنه واصل الصعود بعد امتصاص الصدمة النفسية للقرار وتعدى حاجز الـ18 جنيها للدولار بعد الأسبوع الأول من صدور القرار.

للأسف الشديد، البنك المركزي سار بالسعر التحفيزي في الاتجاه المعاكس، فهبط به من (15.8 جنيها للدولار) إلى (15.5 جنيها للدولار) في نفس الفترة. هذا يعني أن القرار لن يكون له أثر ذو معنى على تدفقات تحويلات المغتربين وعائدات الصادر، التي قد تتقلص إذا استمرت الفجوة في الاتساع بين السعرين، مما يمثل ضربة موجعة للإنتاج وميزان المدفوعات.

أما بخصوص سعر العملة السودانية مقابل الدولار، فقد هبطت بنسبة 122% من (8.8 إلى 19.5 جنيها للدولار) من نهاية ديسمبر 2014 إلى نهاية ديسمبر 2016، بسبب عدم ضبط الإنفاق الجاري غير الداعم للنمو وحل مشكلة اختناقات الإنتاج بإعادة تحريك عجلة نشاط القطاعات الحقيقية.

لهذا ليس غريبا استمرار عدم الاستقرار في أسواق النقد الأجنبي كنتاج طبيعي لغياب السياسات المطلوبة للتعامل مع تدهور سعر العملة الوطنية، ومعالجة الأسباب التي أدت إلى عدم استقرار الأسعار الكلية، حيث بلغ متوسط معدل التضخم 31% في شهر ديسمبر 2016، مقارنة مع 13% في ديسمبر 2015، مما يعني أن أسعار المستهلك ارتفعت بنسبة 138% في عام 2016.

في ظل هذا الوضع، ومع عدم توقع أي تحسن ملحوظ في تحويلات المغتربين وعائدات الصادر، فمن المستبعد توقع أن يؤثر رفع العقوبات في الحد من استمرار تراجع العملة الوطنية أمام الدولار والعملات الأخرى القابلة للتحويل في المدى المتوسط.

أما بالنسبة للاستثمار، فنظريا يمثل رفع العقوبات حافزا قويا لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر في السودان. لكن واقعيا، سيظل هذا النوع من الاستثمار حلم يقظة ما لم تقم الحكومة بإصلاحات جذرية، خاصة في قطاعات الزراعة والصناعة والنفط والمعادن.

في الختام، من الواضح أن قرار الرفع الجزئي للعقوبات الأميركية سيكون محدود الفائدة بالنسبة للاقتصاد السوداني في المدى القصير، على الأقل، مع توقع ظهور آثاره الإيجابية في المدى المتوسط.

لكن هذا يتطلب قيام الحكومة السودانية بوضع وتنفيذ حزمة جديدة متكاملة من الإجراءات لإصلاح البيئة الاقتصادية بوجه عام، وتحقيق الاستقرار في السياسات الاقتصادية الكلية والمالية على الآماد القصير والمتوسط والطويل، بهدف استعادة الثقة في مصداقية الحكومة في اتخاذ خطوات جريئة وحاسمة لمعالجة مشاكل الاقتصاد بصورة جادة، ووفق رؤية واضحة المعالم وجدول زمني محدد يراعي معقولية التدرج في تنفيذ السياسات.

لكن لا بد أولا من وقف الصراعات المسلحة ووضع وتنفيذ سياسات لإصلاح المالية العامة، مع البدء في إصلاحات هيكلية لتحسين أداء السياسات الكلية، خاصة غلاء الأسعار وسعر صرف العملة الوطنية. فالحكومة الآن بين خيارين، إما الإصلاح للاستفادة من الفرصة الذهبية التي يتيحها القرار، أو استمرار الجلوس على هاوية الانهيار.

————————————————-

خبير اقتصادي عمل في صندوق النقد والبنك الدوليين، ووزير أسبق للمالية والاقتصاد الوطني بالسودان، وحاليا مستشار اقتصادي ومالي لعدة منظمات مالية وتنموية عالمية وإقليمية. “نقلا عن الجزيرة نت”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...