بين البذل والابتذال

0 68
عمر حلاق

في أواخر أيام حكمه أصدر الرئيس أوباما قراراً يراجع بموجبه القيود المفروضة على النظام السوداني، لم يشغل السودانيين شيئا مثل هذا القرار قريباً غير اعتصام تم تجريبه مرتين في بحر شهرين من الزمان (نوفمبر وديسمبر) من العام المنصرم.
ربما لم يكن الأمر مفاجئا لكثيرين يتابعون تنازلات النظام القائم في الخرطوم، ويرصدون حركته في الامتثال إن لم يكن الاذعان الكامل لمتطلبات الادارة الامريكية السابقة بحكم السويعات المتبقية، لكن كانت الدهشة أول ما سيطر على الشعب السوداني بحكم اعلان نظام الإنقاذ الراتب والمكرور للعداء تجاه أمريكا، الحد الذي جعل الرئيس السوداني يكرر أن رضاء أمريكا يعني حيادهم عن (الاسلام) والشريعة رادفاً الامر بأن سبب العداء الأساس يتمثل في التزامهم جانب الشرع والدين القويم حسب قوله.
هنا وحتى البسطاء من أبناء شعبي يؤمنون ألا شريعة اقتصت من سارق، ولا تدين حفظ المال العام، جميعهم يعلمون أن حتى (الله أكبر) و(هي لله) ليست سوى محاولة لإلباس أخطاء الحكم ثوب الدين، ثم لم تتنزل حيوات لشعب صبر طويلاً كي يرى نتاج (حكم الله) على عبيده، وفِي آخر المطاف تماهى النظام في غزل روسيا وزواج متعة مع أمريكا ليفتح من جاع من الشعب السوداني فمه حين كانت أذنه تستبدل (أمريكيا روسيا قد دَنا عذابها) بالتبريكات والتهاني.


من المعلوم بالضرورة أن السياسة لعبة مصالح، لا مواثيق ولا عهود تطغى على حساب الربح والخسارة، أيضاً يعلم الجميع أن أمريكا لم تنحاز يوما لقيم الانسانية، ولم تعبأ كثيراً بإرساء النظم الديمقراطية وسط حلفائها، كل الامر يتمثل في ضرورة تمخض حراك الشعوب لإنتاج ما يجعل من أرصدتها اكثر انتعاشاً، هنا لا لوم على من لا نستطيع لومه وأعني الادارة الامريكية.
أيضاً معلوم لكل صاحب ضمير أن نظام الخرطوم سمسار ليس الا، سمسار في العلاقات وفِي الوكالة وفِي التمثيل، لا يعنيه سوى شراء أيام حكمه وإن كان المقابل بيع الوطن، لا جديد يذكر وسيظل القديم يعاد، فتية آمنوا بسلطتهم وإن فارقت مبادئهم الإيمان بكل الأديان.
هنا لا لوم لي سوى ذلك الذي أوجهه لكل معارض آمن بجدوى المقاطعة الامريكية لنظام الخرطوم، ظن أن انهيار النظام آت بحكم عراقيل المجتمع الدولي أو إجراءاته، ظن بأنه البديل متى ما سقطت الإنقاذ.
على الأحزاب السياسية السودانية، وهنا أخاطب الأحزاب الوطنية تلك التي انحازت لصالح المواطنين، لن تكونوا البديل ما لم تتخلوا عن الطريقة الحالية في معارضة الإنقاذ، ستكونون البديل حين تتوفر بين أيديكم حلول المشكلات القائمة، حين تمارسون الاتصال اليومي بجماهيركم عارضين عليهم الأزمة وقدرتكم على حلها، في الصحة لديكم دراسات متكاملة للنظام الصحي وكيفية ادارته،لديكم إحصاءات دقيقة لما يستوطن الوطن من أمراض، بدءاً بالإنقاذ ونهاية بشلل الأطفال ومرورا بالملاريا والكوليرا، عليكم بناء الحلول متكاملة حتى لا يحدث فراغ وإن كان متخيل في ذهن الشعب حين يسأل عن البديل.
في التعليم يجب على من يود الحكم أن ينشر واقع الفشل الحالي، عليه اقتراح الحلول بداية من المنهج ونهاية بإجلاس كل مستحق للتعليم، عليكم دراسة سوق العمل وطرح بدائل لتخصصات تفيد الوطن في المقام الاول.
الذي أعنيه في مقالي هذا أن الفارق بين البذل والابتذال كبير وكبير جداً، في كل مناحي الحياة علينا إبراز قدرتنا أن نكون البديل، ثم إشارة المرور للحكم مصدرها الشعب بتوعيته المقرونة بدراسة واقعه ورسم مستقبله، عدا ذلك ستكون المباراة بين أنظمة الحكم الديمقراطية والشمولية في صالح (الكاب) والبندقية، معركة الأحزاب مع الشمولية ليست معركة حكم بقدر ما هي معركة (وعي)، وعي بالحقوق والواجبات.
فرح اسلاميون السودان بفك الحظر، وفرح كل صاحب انتماء للشعب كذلك، فلا صفة للسياسي الحق أكثر من سماحته في الانحياز لصالح رفاهية شعبه، ولكن فرح الإنقاذ الى حين، فرحها سيلحق غبائها في تضييع آلاف الفرص تلك التي كان بامكانها انتشال السودان وتعافيه، ولأن مشروعها الموت والمحسوبية واعلاء الحزب على الوطن فشلوا وسيفشلون.
الان الكرة في ملعب كل صاحب مصلحة في التغيير، فلنجعل معارضتنا (فعل) بالتصاقنا التام بجماهير شعبنا، بالتعبير عن قضاياه ومشكلاته، ذلك هو البذل، أما إن انتظرنا امريكا لتزيح عن كاهلنا نظام الإنقاذ فذلك الابتذال بعينه.
اؤمن تماما بشعبي وبمؤسساته المدنية من أحزاب ومجموعات ارتضت الموت بديلا عن نعيم زائف وسيبقى الإيمان راسخ ما بقيت الروح.
وأخيرا تبقى اللحظات بين الرصاصة وصدري مليئة بحلم الحياة في وطن يسع الجميع.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...