بشر خام

0 111
محمد الفكي سليمان
محمد الفكي سليمان

ظل السودان واقفا عند محطة تصدير الخام من ثروة حيوانية وجلود ومحصولات زراعية اشهرها المحصول العمدة “القطن”.

وعلى الرغم من المجهودات الكبيرة والاناشيد الحماسية واحلام بناء المصانع والطبقة العاملة الثورية ، الا ان السودان لم يبارح محطة تصدير الخام.


في ستينيات القرن المنصرم جرت محاولات خجولة من قبل الدولة لبناء صناعات بسيطة مثل الالبان وتعليب الخضر والفاكهة وبعض المصنوعات الجلدية ، ومدت حكومة الخرطوم يدها شرقا واستجلبت المصانع التي لم تثمر الا في دروس الجغرافيا مصنعا للالبان في بابنوسة واخر لتجفيف البصل في كسلا الخ، ولو لا بياض القطن لاسودت ليالينا اكثر.

لاحت الفرصة الذهبية سنوات البترول 2000-2010 فقد تحول السودان لدولة مصدرة للبترول في سنوات البترول الذهبية التي سجل فيها معدلات تجاوزت 140 دولار مما جعل السودان يحصد مبلغ قدر ب80 مليار دولار كانت كافية لتاسيس قاعدة صناعية، واعادة تاهيل السكسك الحديدية، وكهربة المشروعات الزراعية الصغرى، لكن بدلا عن ذلك عملت اموال البترول على تصفية المشروعات الزراعية والصناعية عبر اصرار الحكومة على عدم فتح اي مسارات للمال خارج اطار الحزب والحلفاء.

ونشط التجار والسماسرة من كل جنس، واصبحت الخرطوم في تلك الايام محطة للسماسرة الدوليين وغاسلي الاموال واصحاب الطموحات الكبيرة الذين ينشدون الثراء في دولة غير محكومة بقانون سوى قانون السمسرة والعمولات. ووفقا لهذا التوجه تعملق القطاع الخدمي والشركات العاملة به، وشهد السودان تحولات مذهلة، فهو الدولة الوحيدة في العالم التي تستورد خادمات من الفلبين وعمالة من بنغلاديش بينما السواد الاعظم من مواطنيها لايجد قوت يومه.

ولان الحكومة اصبحت تمتلك اموال كبيرة واحتياطات من الدولارات تستخدمها لشراء السلاح والساسة لم تعد محتاجة للانتاج، بل فضلت تصفية المشروعات بعمالها ومزارعيها ونقاباتها والصداع الذي يلازم جهد الانتاج من اضرابات ومطالب، ورغبة العمال في معرفة اين تذهب اموالهم. بعد انفصال الجنوب لم تجد الحكومة ماتصدره لانها صفت المشروعات الزراعية والصناعية كما انها لم تستثمر في التعليم وتاهيل الكادر بطبيعة الحال ،وانما صفت المدارس الحكومية وقللت الصرف على الجامعات الي كسور عشرية الامر الذي انعكس بطبيعة الحال على منتج تلك المؤسسات، واصبح من المالوف ان تجد شخصا اميا بالكامل ويحمل درجة البكالوريس من جامعة سودانية. وبالتالي انعكست هذه السياسة بصورة مباشرة على فرص السودانيين في العمل بالخارج، ومن المعروف ان عددا مقدرا من السودانيين حصل على وظائف مرموقة في المنظمات الدولية، ودول الخليج ،وبيريطانيا بفضل التعليم الجيد الذي كانت توفره المؤسسات التعليمية العامة .

ومع تبدد التعليم النوعي لابناء عامة الشعب فضلت الحكومة تصديرهم كبشر خام للعمل في وظائف متدنية الاجر في الخليج، او كمهاجرين غير شرعيين لاروبا التي لم تعرف لسنوات طويلة سواء الاطباء السودانيين المتميزين. يعتبر انسان السودان موردا بشريا هاما، فهو سليل حضارات قديمة، كما تعرضت بلاد السودان لعدد من الهجرات والتفاعلات التاريخية التي اكسبت الانسان السوداني قدرة كبيرة على التعلم، وقد اكدت التجربة التميز الكبير للسودانيين في سلك التعليم الاكاديمي والمهني الامر الذي يجعل الرهان على بناء قدراتهم مطلبا ملحا للمساهمة في نهضة بلادهم. ويغيب هذا الهدف عن معظم الخطابات السياسية التي ترى الدمار الكبير الذي اصاب المشروعات الزراعية، والصناعية، والمؤسسة العسكرية.

ولكنها لاترى الاذى الذي الحقته جماعة انقلاب يونيو بالانسان السوداني بوصفه المورد الاغلى. بحسب ارقام منشورة لعدد من المنظمات الدولية يحتوي السودان” شماله وجنوبه” على اعلى نسبة من الاطفال خارج مقاعد التعليم بسبب الحرب وضعف الصرف على التعليم، كما ان الجامعات السودانية تحتل مراكز متاخرة جدا على مستوى القارة الافريقية التي لايخفى وضعها على احد. لم تتوقف الحكومة من تصدير البشر السوداني طوال سنواتها، بل ان وزير ماليتها قال بكل فخر نحن نصدر النبق والاطباء، وبعد ان فرغت جعبتها من الاطباء طفقت تصدر كل من يرغب للعمل في كل المهن المهم جلب المال لرفد الخزينة ودعم الاجهزة الامنية التي دمرت مفاصل البلاد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

تعليقات

Loading...